المــوت فــي الليــل
كلما توغلت في العمر كلما ارتددت إلى الوراء , إلى زمن الطفولة , وتذكرت منظر الموتى وهم يشيعون ثم يقبرون وبخاصة حينما يهبط الليل على ساحة (البقيع) وتتوارى أشجار (الغرقد) خلف الظلام . تظهر النجوم شيئا فشيئا ويصعد القمر فيبدو وجهه الحزين بوضوح , حيث تخلو جهة الشرق من البنايات والأضواء .
يرسل القمر تعازيه عبر أشعة رمادية باهتة , تتلامس بالنعش المتحرك صوب مثواه الأخير, وتتشابك مع خيوط ضوئية رفيعة تمدها منارات المسجد النبوي الشريف من الغرب , وخيوط أخرى جنوبية ممتدة من أعمدة كهربائية تتوسط شارعا ضيقا يفصل بيتنا عن البقيع , فإذا بي أمام مسرح مهيب يعرض فصلا من رواية مأساوية .
أشباح تتحرك في شبه الظلام بخطوات سريعة متدافعة, عبر ممر إسمنتي ضيق , تتبادل حمل النعش. يميل النعش شمالا ويمينا , يتأرجح , يكاد أن يسقط . تعلو بعض الأصوات :
- وحدوه ..
فيجيء الرد مشتركا بصوت واحد :
- لا إله إلا الله ..
تهتز الفوانيس في أيدي بعض المشيعين , وينحني آخرون لالتقاط قطع من الطوب الذي جهز من الطين وتم رصفه على جانبي الممر . يقفز المقبري (المسؤول عن الدفن) هنا وهناك يدلهم على الطريق , وهم خلفه يواصلون السير.
***
في سطح بيتنا , أحاول أن أتشبث بالنافذة كي أرى تفاصيل المشهد بوضوح. أعتمد على ذراع أختي الكبرى. أمي تسترجع وتحوقل وتهلل , وتأمرني بتلاوة المعوذات , فهذا وقت انتشار الجن وعربدة الشياطين وخروج الدواب المؤذية من أوكارها وهوام الليل من جحورها.
فجأة .. الأشباح تقف . النعش يهبط , الأنفاس تتصاعد . لقد حان موعد الدفن , ها هو المقبري يغطي منخريه ويقفز إلى الحفرة . نزعوا الغطاء الأخضر عن النعش , تلقفوا الميت بكفنه الأبيض , اضطرب جثمانه كما تضطرب السمكة أثناء النزع الأخير . أنزلوه برفق وحذر باتجاه اللحد , وأدلوا بعض الفوانيس إلى الداخل فزادت العتمة في الخارج.
***
تمسك بي يدان من ضلوعي , تثبتاني بقوة في مكاني , أسمع نباح الكلاب من بعيد وعراك القطط قرب باب البيت , وزن البراغيث بجانب أذني , ترتفع الأصوات , أرتعد , يلسعني شيء ما في قدمي لعله عقرب أو ثعبان أو نملة , أصرخ , أستنجد بأمي , أطلب بعث الإضاءة ولكن طلبي يرفض وأختي الكبرى توجه رأسي نحو المشهد المهيب .
أطلت الفوانيس برؤوسها من القبر , هالوا التراب , تناثر الغبار فوق الرؤوس وتحلق كالفراش حول أضواء الفوانيس . اختفت الأصوات وارتفعت الأيدي بالدعاء وسؤال الميت التثبيت .
سار الموكب باتجاه البوابة , أداروا للميت ظهورهم , تركوه وحيدا في ظلمة الليل وظلمة القبر وظلمة الكفن , تراكمت الظلمات بعضها فوق بعض . احتجب القمر وراء الغيوم وتوارت أشجار الغرقد خلف الظلام , وغاب كل شيء عن الأنظار .
ترى , هل انتهت مراسيم الدفن وإضافة رفات جديد في تلك المقبرة المهيبة , إلى جانب رفات الصحابة وآل البيت وكثير من عباد الله الصالحين .
ولكني أراها – مراسيم الدفن – تبدأ من جديد , وأرتد إلى الوراء مرة أخرى ومرات ومرات ومرات.
(9/11/1413هـ)
نعــش مــن باريــس
أمامي صحيفة أتصفحها بانتظار الغداء . المانشيت العريض مصبوغ بلون الدم : ( إعدام 16 من مرتكبي الجريمة في بيت الله الحرام ) .
بدني يقشعر من تفاصيل الخبر . أمي تنظر إلى صور المعدمين , تحملق في وجه الزعيم , تضغط على أرنبة أنفه بعنف , وتقول في غيظ :
- تستحق الإعدام , يا مجرم .
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )