والذي يدعونا إلى بيان ما نعتقده من مذهب أهل السنة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الحملات العلنية الآن اشتدت عليهم في وسائل الإعلام المتنوعة: الفضائيات والتلفزيونات المحلية، والإذاعات والصحف، والشبكة العالمية"الإنترنت" وكثير من أهل السنة لا يعلمون حقيقة ما يرمون إليه، فلا بد من بيان الحق وقت الحاجة إليه، إذ لا يجوز تأخير البيان وقت الحاجة إليه، وكاتمه ملعون في شرع الله:
((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة (160)]
قال ابن كثير رحمه الله: "وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضا عن أبى هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) ...
والذي في الصحيح عن أبى هريرة أنه قال: لو لا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا شيئا: ((إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى)) الآية" [تفسير ابن كثير [(1/201)]
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سئل عن علم فكتمه جيء به يوم القيامة وقد ألجم بلجام من نار هذا حديث تداوله الناس بأسانيد كثيرة تجمع ويذاكر بها وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، برقم (344)]
وقد وردت إلينا أسئلة كثيرة من الشباب الذين يتصفحون مواقع الإنترنت فيجدون فيها وفي بُرُدِهم الإلكترونية هجمة شديدة على أصحاب رسول الله، مصحوبة بذكر آثار منسوبة إلى بعض أهل البيت غالبها مختلقة، ومنها ما يحملونه على غير معناه... وقد جاءني على بريدي عشرات الرسائل التي يتعاطون فيها الهجوم على كبار صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم...
فهم يظهرون لغيرهم ما يبطنونه فيما بينهم، وقد سمعت محاضرة في شريط فيديو لبعض أتباع الحوثي في اليمن الذي خرج على حكومته في اليمن، يثبت فيها أن كل ما حصل للأمة الإسلامية من بلاء وفساد، كان أساسه بيعة السقيفة وما تبعها من تنصيب أمراء غير علي رضي الله عنه.
وهو يرى أن جميع من تأمروا على الناس في جميع العصور غير علي رضي الله عنه يرى أن إمارتهم غير شرعية، ابتداء من أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، ومعلوم أن الحوثي رافضي جارودي اثنا عشري له علاقة لا شك فيها بالشيعة الإمامية في بلدان أخرى، وهو يتمسح بالمذهب الزيدي، تقية فقط وهو في الواقع إمامي، ومحاضراته وكتبه تدل على ذلك، وهم يجاهرون بسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصرون على اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما برأها الله تعالى عنه
http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news.asp?IDnews=222
ولهذا ينبغي أن يعلم شبابنا من أهل السنة وممن قد يجهلون من شباب الشيعة ما ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل هؤلاء الصحابة وعلو قدرهم الذي أثنى الله به عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم، ليحصنوا ألسنتهم ويطهروها من الولوغ في أعراض قادة دينهم الذين بذلوا النفس والمال وكل غال ونفيس في سبيل الله وإيصال دعوة الله إلى العالم كله، بما فيه أهل فارس والروم، وأنهم لا يستحقون منا إلا الثناء والدعاء، لا الشتم والسب والهراء!
قال تعالى في الثناء عليهم ومدحهم والجزاء الذي استحقوه منه تعالى: ((ولَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح (18) ]
وممن كانوا ضمن أهل ذلك الرضا وتلك البيعة الخلفاء الراشدون، رضي الله عنهم
وقال تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [التوبة (118)]
وهو كما ترى شامل لكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، ولا يخرج منهم إلا من ثبت عندنا نفاقه ومات عليه، أو من علم الله نفاقه، ولو لم نعلمه نحن ولا الرسول صلى الله عليه وسلم, أما من عداهم سواء عرفنا أسماءهم نصا، كما يأتي قريبا، أو لم نعلم ذلك، فالأصل دخولهم فيمن أثنى الله عليهم ومدحهم و أعلن تعالى أنه تاب عليهم ورحمهم وغفر لهم ذنوبهم ووعدهم الجزاء الحسن.
وقال تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر (10)]
هؤلاء الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهليم وهاجروا إلى الله ورسوله، نصرا لدينه ووصفهم الله بالصدق والفلاح، والذين استقبلوهم من أنصار الله ورسوله في طيبة الطيبة، وشركوهم في مساكنهم وأموالهم وآثروهم على أنفسهم مع حاجتهم إلى ما آثروهم به طاعة لله ورسوله، وحبا في رضا ربهم، ثم الذين تبعوهم على نهجهم العظيم، الذين يلهجون في دعائهم بالدعاء للسابقين من المهاجرين والأنصار يسألون لهم المغفرة والرحمة، ويطلبون من الله أن تخلو قلوبهم من الغل والحقد والحسد لمن سبقهم من أولئك الصالحين.
هؤلاء تجد من يسلقونهم بألسنة حداد، امتلأت قلوبهم بالغل والحقد والحسد عليهم، ضاربين بنصوص الوحيين الكتاب والسنة خلف ظهورهم، فلا هم من الأنصار ، ولا من المهاجرين، ولا ممن جاء بعدهم فاستغفر لهم وخلا قلبه من الغل والكراهية لهم.
قال ابن كثير رحمه الله: "فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ((والذين جاؤوا من بعدهم يقولون)) أي قائلين ((ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا)) أي بغضا وحسدا ((للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم))
وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم ((ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم)) [تفسير ابن كثير 4/340)]
وقال القرطبي رحمه الله: " وعن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين رضي الله عنه أنه جاءه رجل فقال له يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقول في عثمان؟ فقال له يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم ((للفقراء المهاجرين)) الآية؟ قال لا قال فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم ((والذين تبوءوا الدار والايمان)) الآية؟ قال: لا قال فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الاسلام وهي قوله تعالى ((والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان)) الآية" [تفسير القرطبي 18/31 ]
ومعنى هذا أن هذه الآيات استوعبت جميع المسلمين إلى يوم القيامة، والذي لم يكن من أحد أقسامها أين يضع نفسه، فلا هو من الأنصار ولا من المهاجرين، ولا من الذين اتبعوهم بإحسان، فأين يضع نفسه؟
وقال تعالى: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22) مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)) [الأحزاب (23))]
فهل يليق بمؤمن بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر، أن يسلط لسانه على هؤلاء القوم الذين أنزل فيهم أمثال هذه الآيات العظيمة التي سجل لهم فيها هذه الصفات التي ستبقى متلوة إلى يوم الدين؟
((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح (29]