توجيهات لمضاربي المساهمات
د. عصام بن عبد المحسن الحميدان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعـــد:
فإن الإنسان يعجب عندما يسمع عن بعض الناس الذين أصيبوا بسكتة قلبية، أو بمرض، أو باعوا بيوتهم، أو غير ذلك نتيجة لمضاربات الأسهم!
إن ذلك دليل على أحد شيئين: إما قلة الإيمان، أو قلة الحرص والاحتياط والخبرة.
ولذا فإني سأوجِّه بعض النصائح والتوجيهات لهؤلاء الناس وغيرهم، ممن يريد أن يقدم على المساهمة، أو هو أحد المساهمين.
قبل التجارة :
أولاً : عدم الإفتاء بغير علم ، وتحريم ما لم يحرمه الله، فبعض الناس يسأل فيسارع إلى التحريم من باب الاحتياط، وهذا لا يجوز شرعاً، لأن التحريم والتحليل لله تعالى، قال سبحانه : ((وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)) (النحل: من الآية116) وهو جزء من التشريع للأمة، فهل هذا يرضى أن يكون مشرِّعاً مع الله تعالى ؟! وقد كان السلف رحمهم الله من الصحابة والتابعين يخافون أن يتحدث أحدهم في الدين فيكون مخطئاً.
ثم إن الأصل في المعاملات الإباحة، كما قال العلماء، والأصل في العبادات الحظر والتوقيف .
والنبي صلى الله عليه وسلّم أبقى على التجارات الموجودة في زمنه، إلا استثناءات يسيرة .
وقال صلى الله عليه وسلّم : (( أعظم الناس جُرماً من سأل عن شيء لم يحرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته)) متفق عليه عن سعد رضي الله عنه .
والورع شيء والتحريم شيء آخر، قد أتورَّع أنا أو يوجه أحد العلماء بالتورع عن شيء، ولكن ذلك لا يعني التحريم، وأبو ذرّ رضي الله عنه من ورعه اعتزل الناس في الربَذة، لأنه يرى أن الناس قد توسعوا في الدنيا، ولكن بقي عثمان رضي الله عنه وكبار الصحابة في المدينة، وبقاؤهم هو الأصح، لأن يد الله على الجماعة .
ومما يجب قبل التجارة: الرجوع للمختصَّين من العلماء الخبيرين بالأمور المالية شرعاً وواقعاً ؛ لأن المعاملات تعددت وتنوَّعت وتفرَّعت، وأصبح من الصعب على الفقيه أن يستوعب كل أنواع المعاملات .
وأما الحكم في حال اختلاف الفقهاء، فهو باعتماد المجامع الفقهية واللجان الشرعية، فإنها أقرب إلى الصواب من غيرها .
وإذا وُجِد قولٌ لغيرهم من الفقهاء، فهو رحمةٌ من الله تعالى، لأن في اختلافهم سعةٌ على الأمة.وقد جاء للإمام أحمد رحمه الله رجلٌ يستشيره في تأليف كتابٍ في الاختلاف، فقال له: سمِّه كتاب السعة .
وقال ابن العربي رحمه الله ( إنه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تختلف العلماء فيه، فيحرم عالم، ويحلل آخر، ويوجب مجتهد، ويسقط آخر، واختلاف العلماء رحمةٌ للخلق، وفسحةٌ في الحق، وطريقٌ مهيع –بيِّن- إلى الرفق) (أحكام القرآن: 2 / 699).
ثانياً : الاستفادة من أهل العلم والخبرة :
فإن المال أمانة بيد الإنسان، حتى المال الذي تنسبه لنفسك هو حقيقة لله تعالى، قال الله سبحانه ((وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ )) (الحديد: من الآية7) ومصادر الزراعة والتجارة والرعي، وكل الكون لله تعالى (( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) (طـه:6)
وهذه هي نظرة الإسلام للمال، وهي تختلف عن النظرة الرأسمالية التي تهدف إلى الربح المادي
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )