قصة : الساعة
محمود البدوى
فى صيف هذا العام سافر السيد | أحمد عبد الغفار وهو موظف بوزارة الصحة مع بعثة الحج إلى مكة .. ورجع من الحجاز بعد أن أدى فريضة الحج وفى يده ساعة جميلة اشتراها من سوق المدينة بعشرة جنيهات .
ولما شاهدها زملاؤه فى المكتب أعجبوا بها وأخذوا يتحدثون عنها فقد كانت الساعة ثمينة حقا وشكلها غريبا .
وكان صاحبها يتيه بها ويعتز إذ مع ما فى شكلها من غرابة فإنها لاتخل ثانية واحدة وكان يزهو ويقول مبتسما لأصحابه أنه يحمل بج بن صغيرة فى يده .
وكانت الساعة إذا قورنت بغيرها من الساعات تعتبر عديمة النظير .
وبعد شهر واحد من عودة الحاج أحمد أصبحت الساعة حديث الجميع .. ومنهم من كان يضيف على محاسنها أشياء كثيرة من عنده حتى دون أن يراها .
والذى كان غائبا عن الديوان من الموظفين فى عمل مصلحى أو فى أجازة ثم رجع ، كان زملاؤه يسألونه قبل أى شىء :
ـ هل رأيت ساعة الحاج عبد الغفار ؟
ـ ما لها ..؟
ـ اذهب لترى أدق وأعجب ما صنعه الإنسان ..
ـ صحيح ..؟
ـ ميناء صغيرة ودقيقة فى حجم المليم .. ترى فى وجهها الثانية والدقيقة والساعة .. واليوم .. والشهر .. والسنة ..
ـ ان هذا عجيب ..!!
ـ مع هذا فإنها لاتملأ قط .. وانما الحركة وحدها تملأ الزمبلك ..
ـ عجبا ..
ـ وتتحمل كل ضغط .. وتسبح بها فى الماء .. وتدخل النار وتخرج منها سليمة ..
ـ ياسلام ..
ـ أضف إلى ذلك أنها ناطقة وتوقظ الحاج أحمد ليصلى الفجر حاضرا .. وتبرق فى الظلمة بريق الماس ..
وكأنما أصاب صاحبها الحسد .. فقد تركها يوما فى درج مكتبه بالوزارة .. وذهب إلى دورة المياه .. ولما رجع لم يجدها ..
وصعق الموظفون لما علموا بالخبر .. فقد كانت الساعة عزيزة عليهم جميعا ..
وكان المكتب هادئا .. ولايدخله الغرباء قط .. ولم تحدث فيه سرقة أبدا ..
الموظفون فى كل يوم يخلعون ستراتهم ويعلقونها على المشاجب .. ويتركون فى جيوبهم المحافظ والأقلام الذهبية وما ضاع شىء منها أبدا .. فكيف يحدث هذا .. وكيف تسرق الساعة وأخذ الموظفون ينظرون إلى وجوه بعضهم البعض وقد وجموا وتصلبت ملامحهم .. وكانوا بعد الانتفاضة الأولى قد وجموا وجمدت وجوههم .. كأنما مر فى أجسامهم سيال كهربى واحد .. هزهم هزة عنيفة .. ثم تركهم إلى الموت .
ولما استفاقوا من الغاشية التى نزلت عليهم .. أخذوا يسترجعون فى أذهانهم كل من دخل المكتب فى الفترة التى غاب فيها الحاج أحمد ..
كان الفراش زهران قد دخل بالقهوة التى اعتاد أن يوزعها فى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر .
ووضع أول فنجان على مكتب السيد همام الذى كان يتحدث فى التليفون فى تلك اللحظة مع بقال قريب من بيته .. ليسأل عن ابنه الوحيد وقد أصيب منذ اسبوع بشلل الإطفال .. وكان قد لوعه الأمر وطير لبه .. وكان فى كل يوم يأتى له بدواء جديد حتى أثقلته الديون .. وكان يدق للبقال فى كل ساعة ليأتى له بالخادم .. أو بزوجته على التليفون فيطمئن على صحة ابنه ..
والموظفون الثلاثة الآخرون كانوا منكبين فى العمل مستغرقين فيه فلم يتحركوا من أماكنهم .. ولم يحسوا بالسرقة إلا بعد أن سمعوا بها .. من موظف الأرشيف .. وهو يضع على مكاتبهم الأوراق التى وردت فى فترة الضحى .. وكان هناك رجل واحد قد جاء من الخارج ودخل الغرفة فى فترة غياب الحاج أحمد .. ثم خرج .. رجل اعتاد أن يحمل لهم بعض الأشياء التى يتسوقها من سوق غزة .. كالأقلام والمناديل والجوارب "
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )