وبيّن الشيخ - رحمه الله - موانع التكفير، وأنه لا يتسرع بتكفير كل أحد، لابد من إقامة الحجة أولاً، لابد من البيان، لابد من إزالة الشبهات، قد يكون الشخص جاهلاً فيعلم، أو لديه شبهات فيناقش، أو مكره فلا يكفر وهو مكره.
واتهم الشيخ بالظلم والتعدي، فكان يبيّن ويكتب عن فلان (استدعيته أولاً بالملاطفة)، ولفلان يقول: (ولست والحمد لله ممن ادعوا إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة، إنما ادعوا إلى الله وحده لا شريك له، وادعوا إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -).
استعمل الحكمة في دعوته، وكان يتلطف في مخاطبة مخالفيه، يبدأ أولاً باللين، ويقول لفلان: (لعلك تكون مثل الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل) أي تكون على طريقته.
وكذلك فإنه قال: (فإننا نرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله) فبيّن أنه ليس بخارج على خليفة للمسلمين، ولا إمام لهم موحد يقودهم إلى عبادة الله، ولم تكن دولة الخلافة في ذلك الوقت قد بسطت سلطانها على نجد، وكان فيها تقصير من جهة دعوة التوحيد، فجاء الشيخ لتكميله - رحمه الله -.
وممن تآمر عليه بعض الصليبيين الذين أيدوا بعض الباشوات في قتال اتباع تلك الدعوة، وهذا واضح في مكاتباتهم ومخاطباتهم وشهادة أهل التاريخ.
لقد انتشرت دعوة الشيخ - رحمه الله -، ووصلت إلى أصقاع مختلفة، ووصل معها أيضاً تشويهات من أطراف أخرى، مما كان يملأ به أذهان بعض الحجاج عن دعوة الشيخ تشويهاً وتعسفاً.
فممن وصلت إليه دعوة التوحيد في بلاد الهند عدة، وفي بلاد اليمن، وغيرها، حتى قال القائل:
سلام على نجد ومن حل في نـجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
قفي واسألي عن عالمٍ حل سوحها به يهتدي من ضل عن منهج الرشدِ
محمد الهـادي لسنّـة أحمدٍ فيا حبذا الهادي ويا حبـذا المهدي
لقد سرنـي ما جائني من طريقه وكنت أرى هذه الطريقــة لي وحدي
ويُـعزى إليـه كل مـا لا يقوله لتنقيصه عند التهامي والنجدي
فيرميه أهل الرفض بالنصب فرية ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد
وليس له ذنـبٌ سوى أنه أتى بتحكيم قول الله في الحل والعقدِ
ويتبع أقوال النبي محمد وهل غيره بالله في الشـرع من يهدي
لئن عدّه الجُهّال ذنباً فحبذا به حبذا يوم انفرادي في لحدي
وهكذا كتب عدد من علماء الهند واليمن، يؤيدونه في دعوته.
وكذلك صار لهُ أعداء بفعل ما شوهت به السمعة بين الحجاج الذين كانوا يعودون إلى أمصارهم، فاتهموا الشيخ بالكفر والإلحاد والزندقة والتكفير واستحلال الدماء؛ ولكنه - رحمه الله - استمر على منهجه حتى دان للدعوة عند وفاته قريباً من مليونين ونصف من الناس.
وكتب أهل العلم في تأييده على ذلك من العراق واليمن والشام ومصر.
وفي ذات الوقت كان لهُ أعداء قد كتبوا ضد دعوته، والله - سبحانه وتعالى- يبتلي: {ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}
وكانت قريش تجتهد في أن تملأ أذهان الحجاج الذين يأتون مكة بالباطل حول النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، حتى أن بعض من قدم مكة سد أُذنيه بالقطن حتى لا يسمع دعوته النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهكذا فعل هؤلاء، ونسبوا إلى الشيخ أباطيل كثيرة؛ ولكن يشـاء الله - سبحانه وتعالى- أن تستمر القضية والمسلسل في الاتهامات في القديم والحديث.
حتى ذكروا أن تاجراً مسلماً قد اختصم مع تاجر هندوسي في الهند حول سلعة عند الهندوسي؛ فخرج المسلم غاضباً وعزم على إفســاد تجارة الهندوسي، فأشاع في المسجد أن الهندوسي وهابي، فهجر الناس دكان الهندوسي، واستاءوا منه، وحاصروه، ولم يجد الهندوسي طريقةً لإعادة تجارته إلا ليعلن على الملأ أنه قد تاب من الوهابيـة وعـاد إلى الهندوسية، فتأملوا كيف بلغ التشويه إلى هذا الحد!!
ولما سافر بعض أهل العلم من نجد إلى الهند ليطلب الحديث على أحد مشايخها الذين تأثروا بالدعايات ضد دعوة الشيخ، أخذ هذا الرجل كتاباً للشيخ - رحمه الله - ونزع غلافه الذي عليه اسم المؤلف ووضعه على طاولة المحدث العالم الهندي.
فلما جاء الشيخ أخذ الكتاب فقرأه، فأعجب به، وقال: ليتني أعرف من هذا الذي ألف هذا الكتاب؟
فقال له التلميذ، طالب العلم، الراحل للعلم: أتريد أن تعرف المؤلف إنه الذي تقع فيه في دروسك، وتتكلم عليه بما وصلك من الإشاعات، إنه محمد بن عبد الوهاب.
فانقلب المحدث إلى أكبر داعية في الهند لدعوة الشيخ - رحمه الله -.
ويقوم أعداء الدين في هذه الأيام بالطعنِ في دعوة الشيخ - رحمه الله -، وإعادة الثارات والنعرات ورفع راية محاربة الوهابية!!
لماذا إذاً؟!!
لأن تلك الدعوة المباركة، وهي إحيــاء السنة المحمدية، والدعوة إلى الكتاب والسنة أشد ما يقظ مضاجع هؤلاء.
ويريدون أيضاً أن يستفيدوا من التشويهات الحاصلة عند بعض الناس ضد الوهابية ليكسبوهم إلى صفهم.
ويُريدُ الصليبيون اليوم أن يرفعوها دعوة ضد الوهابية، ليكسبوا بزعمهم طوائــف من الناس المنتسبين للإسلام الذين يعادون الدعوة، وفي ذات الوقت يشوهون الذين يقفون أمامهم وفي طريقهم من أبناء الإسلام.
فإذا عُرفت حقيقة هذه الدعوة المباركة، فات الهدف على هؤلاء؛ ولن يستطيعوا إن شاء الله أن يصلوا إلى دعوة الحق بسوء.
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
_______________
فرغها ونقلها:
أبو عمر المنهجي - شبكة الدفاع عن السنة
http://saaid.net المصدر: