تأملات تربوية – سورة مريم
د: عثمان قدري مكانسي
( 1 )
هذه بداية تأملات تربوية في كتاب الله تعالى ، أقدمها على حلقات أسبوعية إن شاء الله ، ليس فيها من التفسير إلا ما يخدم الفكرة التربوية في القرآن الكريم ،
أجلّي فيها الأسلوب التربوي ، وأشير إليه دون الخوض في المعاني إلا بما يناسب الهدف التربوي نفسه .وقد أشير إلى هدف بلاغيّ أو تعبير لغويّ أو توجيه نحوي يخدم الهدف التربوي الذي أريد تجليته .... والله ولي التوفيق .
1- أسلوب التنبيه : أساليب التنبيه في القرآن الكريم كثيرة كلما مررنا على واحد منها ذكرناه –إن شاء الله تعالى – في موقعه .. وهنا نجد السورة تبدأ مثل كثير من سور القرآن الكريم بالحروف المقطعة ، ك.ه. ي. ع .ص . فالأول والرابع والخامس منها ممدودة والثاني والثالث غيرذلك ، مما يشد انتباه السامع والقارئ على حد سواء بطريقتين مجتمعتين قبل البدء بقراءة الجمل والمعاني ، هما " الحروف المبهمة " و " الأداء الموسيقي "
والمفسرون يوردون تفسير هذه الحروف منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما وغيره ، فالكاف " كريم " والهاء " هادٍ " والياء " قوي ، ذوالأيدِ " والعين " عليم " والصاد " صادق الوعد " .... إن البدء بحروف متقطعة ذات جرس موسيقيّ مختلف يجعل المتلقي يرهف السمع ، إليها لغرابتها فلا يضيع عليه مابعدها .... ومن ناحية أخرى نجد المتلقي يتساءل في قرارة نفسه عن معناها وطريقة أدائها ليصل إلى تأويلات عدّة ، منها : أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف وأخواتها ، فإن استطعت أن تأتي بمثلها فافعل . وإلا ثبت أنها من لدن عليم خبير .
2- التأمل والتدبر : إن كلمة " ذكر " في قوله تعالى " ذكر رحمة ربك عبدَه زكريا " توحي بأمور كثيرة يتفاعل بها المتلقي سامعاً وقارئاً . منها :
- إعمال الفكر ، وتقليب المعاني في ذكر الله تعالى عبده الصالح زكريا ، وسبب تخصيصه بهذا الفضل العظيم حين ذكره
- وأن التذكر ليس ضد النسيان دائماً، فالله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص ، والنسيان نقيصة . " لا يضل ربي ولا ينسى " " وما كان ربك نسيّا " " أحصاه الله ونسوه " . إنما التذكر هنا رفع لمقام زكريا عليه السلام ، واستجابةٌ لدعوته ، وخصُّه بالرحمة .
- وأن ذكر الله عز وجل يرفع مقام صاحبه في عليين " فاذكروني أذكرْكم " " ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأً ذكرته في ملأٍ خير من ملئه " ...
- وانظر معي إلى هذا الربط الرائع بين النبيين الكريمين ، فهما أخوان كريمان يستقيان من نبع واحد ، ويستضيئان من مشكاة واحدة ، فكلمة " ربك" خطاب لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام تدل على أعلى مراتب الإنسان : العبودية لله تعالى ، فمادام اللهُ ربَّه فهو عليه الصلاة والسلام عبدُه . وزكريا عليه الصلاة والسلام عبده ، فاجتمعا في هذه المكانة العلية . وبما أنهما مثال يُحتذى كانت الدعوة لنا من الله تعالى أن نكون من عباده .
3 - إغاثة الملهوف : فزكريا عليه السلام لجأ إلى الله تعالى ،واتجه إليه في دعائه وسأله من فضله ، " إذ نادى ربه نداء خفيّا " ، فأجابه الله إذ رحمه ووهبه غلاماً زكياً . وهذه لفتة كريمة تحض على مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
4 – أدب الخطاب : ويتجلى ذلك في أمور عدّة :
أ
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )