وقف الصغير ذاهلا أمام السرير . كان بتأمل بفزع وجه أمه الجامد المزرق وعينيها المغمضتين . وامتدت يده الصغيرة المرتعشة تهزها:
- أمي . أمي .
ولكنها لم تتحرك ولم تفتح عيناها . وعندما أستولي عليه اليأس، أنطلق من صدره بكاء حار ، جاء على إثره عويل النسوة اللاتي يرتدين السواد . وجاء والده مسرعاً وأنتزعه من فوق السرير ، خرج به من الغرفة ، بينما الصغير يقاومه محاولاً الإفلات منه .
قال الصغير – وهو يضرب والده بقبضتيه الصغيرتين :
- أريد أمي . أريد أمي
قال والده وهو يحاول السيطرة على بكائه :
- أمك ماتت
لم يكن الصغير يعرف بالضبط معنى كلمة ماتت ، ولكنه كان يدرك أنها كلمة سيئة كالمرض .
عندما حملوا جسد أمه ليضعوه فى النعش بكى بمرارة ، وحاول أن يفلت من قبضة والده لينقذ أمه من الأيدى التى تحملها ، وصرخ فيهم :
- إلى أين تأخذون أمي ؟
وفى المساء ، كان الصغير يبكى وهو يسأل والده المنهك:
- أين ذهبوا بأمي ؟
أجابه بصوت متهدج :
- أمك عند الله فى السماء
وهو الذى أخذها ؟
- نعم
يعرف الصغير الله ككبير يعيش فى السماء ، وقادر دائماً على معاقبة من لا يسمع الكلام ، أو يضرب أحداً ، أو يوذى القطط . ولكنه على الرغم من ذلك قال لوالده :
- ولماذا أخذها هى ؟ !
نظر إليه والده بمزيج من اللوم والإشفاق .
قال الصغير بعناد :
- ولماذا لم يأخذ أم أحد آخر ؟
أطرق الصغير قليلاً ، ثم عاد يسأل بصوت مرتعش :
- هل سيعاقب الله أمي ؟
الصغير أستقر على ساقي والده الذي رفعه وأحتضنه وقبله بحنو شديد :
- الله يحب أمك . لقد أعطاها قصر في الجنة .
اتسعت عين الصغير من الدهشة ، فأكمل والده :
- في الجنة حدائق وفواكه كثيرة ، وأمك تعيش الآن سعيدة ، فالله يحبها ويعطيها أشياء كثيرة .
الصغير أطرق يفكر ، وتخيل أمه تقف أمام الله ، وأن الله ينظر إليها بحب ويضحك لها ، وأنها تقف أمام الله وهى غير خائفة من حجمه الكبير جداً . ثم تخيل يد الله الكبيرة جداً تمسك بأمه التي مثل عقلة الإصبع وتضعها في قصر جميل مثل الذي شاهدة في التليفزيون ، وتخيل أمه وهى تمشى بين أشجار القصر وتقطف التفاح والمانجو من الشجر . وشعر الصغير بموجة عار مه من الحب تجاه الله ، وتبدلت مشاعره السابقة ، فها هو الله لا يعاقب أمه ويعطيها قصراً فيه فاكهه من كل نوع . ولكنه عاد يشعر بالقلق إزاء غياب أمه .
سأل الصغير والده بقلق :
متى ستعود أمي ؟
- أمك الآن في الجنة
قال الصغير بنفاد صبر :
- أعرف . ولكن متى ستعود ؟
الذين يذهبون إلى الجنة يعيشون فيها ولا يعودون .
تجهم وجه الصغير الذي كان يعتقد أن أمه ستقضى عدة أيام في الجنة ثم تعود ثانية ، وأطرق يفكر .
قال الصغير لوالده :
- إذن خذنى إليها في الجنة
- من يموت فقط يذهب إلى الجنة
قال الصغير بإصرار :
- إذن اجعلني أموت وأذهب إليها .
لم ينم الصغير هذه الليلة . وعندما تأكد من نوم والده تسلل إلى البلكونه ، وأخذ يبحث بنظره في
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )