خرجت كلثوم من بيت أسرتها مرغمة بعد أن طردها أبوها بتحريض من زوجته، فوجدت نفسها صيدا سهلا عندما وقعت في يد امرأة عرضت عليها العمل لدى إحدى العائلات بمدينة الجديدة، لتجد نفسها في وكر للدعارة حيث انتهى بها الأمر إلى التعرض للاغتصاب اليومي... ولم تتخلص من ذلك الاغتصاب المتكرر إلا في اللحظة التي نقلت فيها إلى المستشفى، ومنه إلى القبر بعد معاناة دامت شهرا كاملا... أما وسيطة الدعارة فقد نالت جزاءها بعد متابعتها بتهم من بينها الضرب المبرح المفضي إلى الموت الذي ذهبت ضحيته كلثوم...
كانت كلثوم تتأرجح بين الإحساس بالحنان الأمومي والحرمان الأبوي، مما جعلها تدعو الله، دوما، بأن يطيل عمر أمها لأنها كانت تعلم أن حياتها بعد رحيل أمها سوف تصبح جحيما لا يطاق، خاصة وأن أباها لا يحبها لكونه كان يتمنى حين ولادتها أن تكون مولودا ذكرا. حين ماتت الأم وقع لكلثوم ما ظلت تخشاه لسنوات عانت خلالها والدتها من مرض عضال أسلمها للموت... استمرت في كنف أبيها تذوق القسوة الأبوية، يوما بعد يوم، وهي تمني نفسها بأن يرق والدها لحالها... لكن الأيام زادت أحوالها سوء، وخاصة بعد زواج أبيها من إحدى السيدات التي كانت سببا في تعقد العلاقة بين كلثوم وأبيها لتنتهي بطرد البنت من البيت إلى الشارع، مع ما تلا ذلك من أحداث أليمة انتهت بوفاتها وهي في ريعان الشباب. ظلم ذوي القربى ظل أحمد يرفض لسنوات وجود أنثى، من صلبه، داخل بيته، لكنه مع توالي الأيام والشهور استسلم للأمر الواقع وإن ظل على حاله من الكره الشديد لابنته، بحيث كان يعاملها بشكل سيئ ويحرمها من حنانه وعطفه. وهو الأمر الذي دفع بالأم إلى التعلق بابنتها والخوف عليها من رد فعل قاس قد يصدر عن الأب تكون نتيجته التخلي عن أبوة صغيرتهما. لم تتوان الأم عن المطالبة بحق ابنتها، واستطاعت أن تخفف، مع مرورالوقت، من كره الأب لابنته، فكبرت كلثوم في ظل جو مشحون بالحنان الأمومي والحرمان الأبوي الذي خفت حدته بسبب تسليم الأب بالأمرالواقع، لكن البنت ظلت متخوفة من تقلب الأحوال، خاصة حين اشتد على أمها المرض، إذ أصبح الأب يتأخر كثيرا في العودة إلى المنزل، بل لا يعود إلا بعد أن يمر إلى إحدى الحانات القريبة من مقر عمله حيث يحتسي كؤوسا من الخمر تحوله إلى وحش يكسر كل ما يقع تحت يديه داخل البيت. ماتت الأم فأظلمت الدنيا في عيني كلثوم التي أحست بأن ساعة المواجهة مع الشر قد حلت، لكنها عاشت، في ظل أبيها، هدنة دامت خمسة أشهر من الحزن المخيم على الأسرة، ليتزوج أبوها بعد ذلك بإحدى السيدات التي جعلت من كلثوم خادمة لها، وكانت السبب في منع الأب لابنته من مواصلة دراستها. رحلة العذاب الطويلة ودعت كلثوم، مرغمة، البيت الذي ولدت فيه وخرجت إلى الشارع وهي لا تدري الوجهة التي ستقصدها، ولا المصير الذي ينتظرها، فجلست تبكي حظها بعد وفاة أمها الحنون... وفي تلك اللحظة بالذات، اقتربت منها إحدى السيدات مبدية اهتماما وإشفاقا على حالها، مما جعل كلثوم تحكي لها قصة طردها من بيت أبيها. اقترحت السعدية على كلثوم مرافقتها إلى بيتها لتأخذ قسطا من الراحة وتتناول الطعام في انتظار أن تجد لها حلا سريعا لمشكلتها، فلم تجد من كلثوم رفضا لكون هذه الأخيرة لم يسبق لها أن مكثت طويلا خارج البيت، فسارت معها إلى حيث تريد دون أن يدور في خلدها أن هذه الخطوات تقودها نحو الهاوية. وجدت كلثوم من السعدية كل الاهتمام وحسن الضيافة ببيتها، فلم يربها من أمرها شيء، وقضت لديها أسبوعا كاملا لا تبرح فيه البيت خوفا من أن تجرها قدماها للالتقاء بأبيها، هنا أو هناك، فيصيبها منه مكروه،إلى أن جاءتها السعدية بخبر أفرحها كثيرا،
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )