|
كان أسر الشهيدة أسرار بتاريخ 4 نوفمبر 1990 حيث خرجت أسرار من المنزل الذي يقيم به ( صباح وزوجته شيخة ) في مشرف على أن تعود سريعا .. لكن كان هذا هو خروجها الأخير من الحرية فعند تقاطع مشرف وبيان كانت الوحوش الكاسرة في الانتظار كانت نقطة تفتيش عراقية بالانتظار وقفت أسرار غير مبالية كما كانت تقف من قبل ... ناولتهم الهوية
قال الجندي العراقي :
سارة ولا هي أسرار ؟!!
ودخل للسيارة أكثر من واحد أزاحوا أسرار عن مقعد القيادة وقادوا السيارة وهي تشتمهم وتضربهم بيدها وتردد :
يا كلاب تريدون سرقة السيارة و إلخ ... من الشتائم التي كانت تنهال بها عليهم ..
وما أن وصلوا للمشاتل حتى عرفت أسرار بأن المقصود ليس سرقة السيارة لكنها هي غنيمتهم الكبرى ...
ومن هنا بدأت رحلة العذاب والصمود الحقيقي للبطلة أسرار .
كانت أسرار على علم تام بأنها قد اختارت الشهادة من خلال ترديدها العبارة ( لا طريق آخر أما البقاء في الكويت أو الموت فوق ثراها ) هذه العبارة التي تم توثيقها عبر مكالمتين الأولى لصديقتها الأمريكية كاثي خاجة والأخرى انطلقت من الخفجي عبر الهاتف الدولي للمملكة العربية السعودية حين خرجت الفقيدة من وطنها عبر مهمتها النبيلة خارج الكويت والعودة ثانية .. كذلك حينما ردت على أختها أفكار بشكل سريع نموت .. نموت .. وتحيا الكويت.
أسرار كانت من الذكاء بمكان فقد علمت منذ بدء نضالها عبر المقاومة الكويتية بأنها وضعت قدمها الطاهرة على طريق الشهادة .. تلك الشهادة التي وعد بها الله المؤمنين من عباده بنيل الجنة أن هم حظوا بها ..
عندما نطق مبعوث الرئيس العراقي صدام حسين والذي بعثه خصيصا لمقابلة أسرار في معتقلها في المشاتل عندما نطق هذا الرجل بعبارته :
إما العمل لدينا في بغداد للاستفادة من خبراتك في الكمبيوتر أو ...
اختارت أسرار كلمة ( النهاية النبيلة ) وردت على الرجل الأنيق المرتدي البذلة الموهير وربطة العنق الحرير و ردت عليه بعنف بكلمة ( لن أتعاون معكم ) وكان نقاشها وحوارها السياسي والفلسفي والإنساني العميق الذي تبادلته معه قد تجلى في إظهار الثقافة العميقة التي تتمتع بها أسرار والثقافة الضحلة التي يتمتع بها مندوب السيد الرئيس الشخصي المرسل من قبله للمناضلة أسرار القبندي في هذه اللحظات التاريخية الفاصلة من ضحى يوم الجمعة الموافق 11 يناير خرجت أسرار من غرفة مدير التحقيق والذي استعملها هذا اليوم مندوب الرئيس .. خرجت وقد علمت بالنهاية النبيلة وتأكدت لها النهاية حينما أتوا لها ثلاث مرات يسألونها عن عنوان منزل والدها .. ومع هذا لم توضح لزميلها محمود في المعتقل ما كان يراودها بل أظهرت أمامه أنها بانتظار الإفراج الموعود الذي أخذ رسل الحقد والغدر ترديده لها كلما طلبوا منها العنوان ..
وفي يوم الجمعة نفسه بعيد الساعة السابعة مساء أي بعد صلاة العشاء جاءها أحد الضباط وقال لها :
غدا سنأخذك للبصرة حتى نفرج عنك جهزي حاجياتك صباحا
سألته حتى تحول الشك إلى يقين :
إلى أين ستذهبون بي ؟!
مجرد محاكمة صورية .. سيأتي أحد لكفالتك ثم يفرج عنك
ردت عليه :
إن شاء الله
خليك جاهزة عند الساعة السادسة صباحا
في هذه اللحظات العميقة من حياة الإنسان توجهت أسرار للقبلة حيث صلت لله داعية أن يرحمها وأن يطهر أرض بلادها من هذا الدنس الوبائي الخطير وأخذت تتحدث مع زميلها محمود تطمئنه وتبث به أمل المستقبل وأخذ هو يوصيها على أهله وأولاده بعد أن ظن بأنهم صادقوا الوعد وسيفرجون عن زميلته بالمعتقل .
في الثامنة و النصف صباحا أتى صوت الضابط :
هيا يا أسرار
و همت لأخذ احتياجاتها إلا أن الضابط أخبرها بأنهم سيذهبون لأبوعمر و تعود بعدها لأخذ احتياجاتها .
كان هذا صباح يوم السبت الموافق 12 من يناير 1991 .. ومن الساعة الثامنة والنصف حتى الساعة الثانية من فجر يوم الاثنين الموافق 14 يناير 1991 وعلى مدى 42 ساعة .. شهدت أسرار ما لم يشهده بشر في التاريخ .. شهدت أسرار ما شهدته الكوكبة السابقة من أبناء الكويت الذين استشهدوا على أيدي قوات البغي والطغيان .
فمن الصدمات الكهربائية المستمر لخلع الأظافر الواحد تلو الآخر إلى التسلي عن طريق تشغيل المنشار الكهربائي وتقريبه من جسدها الطاهر .
كان الألم والعذاب هما العنصران الوحيدان في لحظاتها تلك ورغم ذلك ظلت شامخة مرفوعة الرأس وهي تحقر معذبيها . كانت هي نفسها قوية صلبة حتى في لحظات العذاب الصعبة التي واجهتها .
وفي الساعة الثانية من فجر يوم الاثنين الموافق 14 يناير 1991م ... في هذه اللحظة الخالدة من تاريخ أسرار القبندي وهو تاريخ الكويت ذاته نطق أحد جلاديها بالتالي :
أسرار .. تم الحكم عليك بالإعدام ، والآن سينفذ بك .
فتفاجأ الجلادون بأسرار وهي تبصق في وجوههم حسب ما ذكره أحد الجنود العراقيون لأخت أسرار التي حاولت إعطاءه المال لفك أسرار لكنه أخبرها بأنها قد أعدمت وشاهدها وهي تبصق في وجه جلاديها قبل إعدامها .
في هذه اللحظة تم إعدام ابنة الكويت .. وبطلة الكويت الخالدة في الضمير الكويتي .. أسرار محمد القبندي .
ثلاث رصاصات شكلت مثلثا في جسم أسرار الأمامي من ناحية الصدر .. واحدة أعلى الصدر واثنتين أعلى البطن .
منشار كهربائي قطعت به الجبهة وأخرج منها المخ !!
أظافر مخلوعة .
تلك هي الحالة التي وصف بها د.خالد السهلاوي في مستشفى مبارك الشهيدة لحظة وصولها للمستشفى .
عن كتاب أسرار الكويت
|