اتصلت أسباب كاتب هذا المقال ببيت العلامة، شيخِ العربية، وأَبْلَغِ مَنْ حَمَلَ قلمًا في القرن العشرين؛ أبي فهر محمود محمد شاكر، قُرَابَةَ خمس سنوات بُعَيْدَ رحيله؛ حيث تعرفت على ابنه الكريم الدكتور فهر محمود محمد شاكر في أروقة الجامعة، ومن خلاله عبرت إلى سُدَّةِ الفَلَقِ، وإلى كَعْبَةِ العلم- كما يقول الدكتور إحسان عباس رحمه الله-، إلى منزل أبي فهر، ونظرتُ إلى تلك الأوراق التي تركها أبو فهر من خلفه، وإلى تلك الأعمدة الشامخة من مجلدات دنيا الناس المكتوبة، فقهًا وحديثًا ولغةً، وشعرًا، وفلسفةً، وتاريخًا، وسائرَ أنواع علوم الحضارة العربية.
وجدت بيتا تحتويه الكتب، عامرا بالكرم، تعبق فيه رائحة المودة الصادقة، وشيئا فشيئا تجد الأنس مبسوطا، والدفء ممتدا تعيش في ظلاله، فتزول عنك رهبة المكان، ويمحي من قلبك إجفال الغريب..
وكان لهذا البيت عليّ أيادٍ بيضاء سكبت في أودية الصدر ودا لا يبلى، ووفاء لا ينتهي :
سَيُلْقَى لها في مُضْمَرِ القَلْبِ والْحَشَا
سريرةُ حُبٍّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائرُ
وقد ظَفِرْتُ في يومٍ من الأيام بنصٍّ نادرٍ بخط العلامة الأستاذ عبد الحميد بسيوني، غاب عن أعينِ شُدَاةِ الأَدَبِ، ولا يعلم الناس عنه إلا قصاصة صغيرة مسطورة في كتاب الأستاذة عايدة الشريف عن شيخنا أبي فهر رضي الله عنه!
وهي تلك الأبيات للشاعر الفذِّ البارع محمود حسن إسماعيل، الذي نال من ثناء شيخنا ما ناله، واختصه بوده، وأصفاه الإخاء والصداقة إلى أن انطفأ سراج محمود حسن إسماعيل في ديار الغربة بعيدا عن وطنه، هنالك بين إخوانه الكرام من أهل الكويت، رحمةُ الله عليه!
وقد كان للكويت في قلب أبي فهر مكانٌ ومكانة، ومنزلة سامية سامقة، تَمُدُّ رُوَاقَهَا في قلب أبي فهر، فتُطِلُّ في كلماته، وعلى سِنِّ قلمه، وفي محاجر عينيه؛ حيث كف الناس عن بيته أيام اعتقاله إلا تلامذته الكويتيون، فرَعَوْا بيتَه، ونظروا في شئون أهله وحاجاتهم.
خرج شاكرٌ من المعتقل عام 1968 بعد أن قضى فيه ثمانية وعشرين شهرا في جب الكراهية بعد أن نفض عن قلمه غبار الصمت، ومزق السّدول المظلمة التي يتخفى خلفها ذئاب الإنس؛ أمثال لويس عوض وزمرته، ممن أفسدوا الحياة الأدبية، وصرفوها عن مسارها الصحيح.
وبعد أن هدأت نفس أستاذنا، واطمأنتْ سَوَاكِنُ صدره، ارتحل إلى بيت ربه الحرام حاجًّا، يتخفف من عناء الهم الذي صدع قلبه لما يرى من حال أمته. وفور فراغه من مناسك الحج، ارتحل أبو فهر وأسرته في صحبة الأستاذ جمعة محمد الياسين إلى الكويت، ومكث هنالك متنقلا بين محبيه ومريديه، بقامته الشامخة، وفكره الباذخ، ووفائه الذي يحمله في زوايا روحه للكويت وأهلها الأوفياء.
وهنالك غمس محمود حسن إسماعيل حرفَه في دواة ذاته، وأرْهَفَ سِنَّ قلمِه، وتوهجتْ رُوحه بقصيدة يمدها بساطا حريري المشاعر بين يدي أخيه وصديقه وشيخه وأستاذه، العلامة شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر..الذي قال عن محمود حسن إسماعيل: تركت الشعرَ لمحمود حسن إسماعيل!
فكانت هذه القصيدة التي ل
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة وإذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )