|
ماذا يقول العلم والدين6
الفحولة و التليفون منقطع الحرارة
وتفسير أخر تقدمه طبيبة سودانية من خلال بحث بعنوان السجينات ل Lightfool-Klien يقدم لنا مبررات تلك العدوانية الغريبة من امرأة المفروض أنها تألمت، ونزفت من تلك العملية، وتكرر بغباء نفس التصرف. وتقول الطبيبة السودانية أنه ليس غباء ولكنه ثأر!. فالنساء هناك كما تخبرنا تلك الطبيبة ليس لهن دور فى المجتمع، فيقمن بصب كل سيطرتهن المكبوتة على الأبناء والبنات، فيجرين لبناتهن عملية الختان كما أجريت لهن أنفسهن، فكل إمرأة تألمت كثيرا لابد لها من الثأر، ولكن لا يمكنها الثأر إلا من بناتها رغم محبتها لهن. وتشعر الجدة أنه إذا أبطلت العادة فإنها سوف تفقد كل مالها من سلطة. وتضيف هذه الطبيبة أن هذا الإصرار ليس أن هؤلاء الجدات شريرات، بل على العكس فقد يكن متدينات وطيبات، ولكن مشكلتهن أنهن يعتقدن أنه لايمكن الحفاظ على بكارة البنت، إلا إذا اجرى لهن الختان، والنوع الفرعونى منه بالذات. وتضيف أن النساء رغم الألم الذى عانينه يقمن بختان بناتهن إختيارا للطريق الأسهل، وتهربا من مقاومة المجتمع. إنه ليس حب التدمير من أجل التدمير، ولكن لأنها لم تختزن فى عقلها الباطن إلا هذا السلوك تجاه المرأة، إنها تصرخ من خلال بناتها، إنها الجين النفسى الذى يحافظ على نقل تلك العادات السلوكية من جيل إلى آخر. وترى د. سهام أن المرأة لاتفعل ذلك إلا إرضاء لنزعة الرجل، فهى بمثابة الوكيل المنفذ لإرادته. وهى تشير فى ذلك إلى قول إمرأة عجوز صرحت لها: يجب أن تختن البنات لأن الرجال فقراء، فهم يأكلون فراخ المزارع التى تربى بالهورمونات، ولذلك لا يمكن للرجال أن يرضوا نساءهن غير مختونات"!!. فالسيدات اللاتى ينبش من أجل الختان يتحركن تجاه هذه الجريمة بتنويم مغناطيسى من المفاهيم الجاهزة حول العلاقة بين الرجل والمرأة التى يغلفها التحدى لإثبات الرجولة والفحولة بمعناها الضيق الآلى البحت، الذى لا تظلله أية عاطفة أو حب. إنها علاقة باردة لو زادت عن المقدار المحدد لها - وبالطبع الذى يحدد هذا المقدار هو الرجل – لوزادت هلك الرجل، ولابد من أحد حلين. الأول: أن يبتعد الرجل وينزوى وهذا مستحيل، ففيه جرح لكرامته ورجولته. والثانى: هو أن يطمس ملامح الزوجية العاطفية والجنسية فتظل كالتليفون منقطع الحرارة جسما معدنيا باردا بلا إرسال أو استقبال!.
يفسر البعض سيكولوجية الختان على أنه خليط ما بين المازوكية أو الماسوشيزم والسادية أو الساديزم. والأولى هى نسبة إلى مازوش الذى كان يتلذذ بتعذيب نفسه وبتر أعضائه، والثانية منسوبة إلى الماركيز دى صاد الذى قضى 16 سنة فى السجن و11 سنة فى مستشفى الأمراض العقلية. ويتصف هذا المرض بالرغبة فى تدمير وإيذاء الغير، كما فعل الماركيز عندما كان يجلد ضحيته وأحيانا يسلخها!!. فهل يرضى مجتمعنا فى القرن الواحد والعشرين أن يوصف بالسادية أو المازوكية تجاه نفسه وتجاه بناته بالذات. إننا لا نستطيع أن ندين الآخرين الذين يصفوننا بهذا الوصف قبل أن نعدل من سلوكياتنا تجاه العنف ضد المرأة.
إذا كنا قد حاولنا توصيف وتأصيل الجذور السيكولوجية للختان، فإن توصيف الآثار السيكولوجية المدمرة على البنت نتيجة الختان والتى تحدثنا عن جزء بسيط منها من قبل تحتاج إلى مجلدات ومجلدات. فكل حالة ختان هى حالة منفردة لها عقدها الخاصة ومشاكلها المتفردة. وعندما نفتح خزانة الذكريات سنجد ما يندى له الجبين خجلا، وما يشيب له الولدان فزعا. وهذا ليس تلاعبا بالكلمات الفصحى المتقعرة البليغة ولكنها تعبير عن واقع مرير يصرخ بالرعب. ففضلا عن الانتهاك الجسدى والجنسى للأطفال الصغار، فهناك خدش البراءة وعمل Focus أو تثبيت وتقريب بعدسة العادات والتقاليد والأخلاق على تابو الجنس. ففى هذا السن الصغير تبدأ البنت فى التفكير بأن هذه المنطقة هى منطقة القاذورات، والدماء، والعنف، والمحظور. وممنوع عليها الإقتراب من هذا المكان البغيض الكريه. وتبدأ بالونة الفزع فى التضخم، والارتفاع حتى تنفجر فى وجه المجتمع، وأحيانا فى وجه الضحية نفسها. وتبدأ البنت فى تعلم إخفاء انفعالها الحقيقى المؤلم لإرضاء الأهل الذين يقنعونها بأن هذا الإجراء هو الصحيح. ويتطور هذا الإخفاء إلى إتقان التمثيل والكذب، فتمثل على الجميع بأنها طبيعية، وتمثل على زوجها بأنها مستمتعة، وتمثل على أهلها بأنها ممتنة. ويمتد حبل الكذب حتى يخنق أبسط المشاعر الإنسانية الجميلة التى خلقها الله فى قلوبنا للإستمتاع بالحياة. إننا بالختان نزرع الكذب والخوف والنفاق فى عقل وروح البنت لنشكل على هوانا مسخا إنسانيا نمارس فيه عقدنا النفسية الناشبة أظفارها فى لحم حياتنا.
الخمر و الحشيش و برودة الفريزر
أما سكوت المجتمع على هذه المذبحة فكثيرا ما أتخيل أنه خرس ناتج عن مخدر عام استنشقناه فقررنا الطناش واللامبالاة والصمت الرهيب إزاء هذه الجريمة النكراء. وبمناسبة المخدرات فالكثير من الباحثين يرجع سبب هدية الحشيش الروتينية التى تمنح للعريس، والتى هى جزء من محبة الجيران والأقارب للقادم على الحياة الجديدة، يرجعها هؤلاء إلى الختان حتى يتخيل العريس أن لقاءه، دهر وساعات طوال. وحتى يتوه عن الحقيقة بأن لقاءه فى الحقيقة لقاء بدون إحساس، بارد برودة الفريزر، يفتقد إلى الحياة والدفء والنبض. ويوجد باحثون ومفكرون كثيرون أدانوا الختان كسبب من ضمن أسباب إنتشار المخدرات. فيقول المفكر أحمد أمين فى قاموس "العادات والتقاليد" عن الختان: فى هذا الأيام من حياتى، أعنى فى سنة 1950 ومابعدها، نادى بعض الناس بقصر الختان على الذكور دون الإناث، وحجتهم فى ذلك أن ختان البنات قد سبب إنتشار عادة تعاطى الحشيش، والأفيون ونحو ذلك. وذلك بسبب أن البنت إذا إختتنت ثم كبرت فختانها يقلل من لذتها الجنسية. فيضطر الرجل إلى استعمال المخدرات التى ذكرناها. فنادوا بعدم ختانها حتى لايضطر الرجل إلى مثل هذه المخدرات. ويورد د. سامى الذيب آراء أخرى فى هذه المسألة على موقعه فى الإنترنت منها رأى د. محمد سعيد الحديدى الذى يقول: "إن المخدرات والمغيبات بكافة أنواعها قد إنتشرت فى بلادنا إنتشارا مخفيا قد تعدى كل الإحصائيات فى أى بلد آخر رغم العقوبات الشديدة، والقوانين الصارمة التى يؤخذ بها كل من تجرأ وتعاطى هذه المخدرات. ما السر فى هذا يا حضرات السادة؟. لو اهتدينا إلى هذا السر لوفرنا على أنفسنا، وعلى أمتنا المال الكثير الذى يبذل لمكافحة هذه الأشياء، ولجنينا فوائد أعظم. فكم من أشخاص زجوا فى السجون، وكم ضحوا بأموالهم وعقولهم، وأسرهم لتعاطى هذه السموم. ما السر فى ذلك إذا؟ إنى أسلم معكم بأن كثيرا ممن يتعاطون هذه المواد المخدرة يتعاطونها لنقص فى إدراكهم وتكوينهم العقلى. ولكن، ما رأيكم فيمن يتعاطون هذه المواد المخدرة من أناس يشهد لهم نجاحهم فى حياتهم العملية والعلمية والأدبية، والمادية بقسط أوفر من رجحان العقل بل النبوغ؟. الجواب بسيط، وهو الرغبة فى تخدير الحساسية لدى هؤلاء الرجال ليحصل التكافؤ بينهم وبين من يلامسون من نساء مختتنات". ويقول د. رشدى عمار أيضا" "فى 62 حالة كان الأزواج يتعاطون المخدرات أو المشروبات الكحولية للمساعدة على الاتصال الجنسى، ورغبة فى إشباع الزوجات والأزواج. وبسؤالهم عن النتائج كانت الإجابة أنه أفاد فى بعض الحالات، وأنه يأتى بنتيجة عكسية فى حالات أخرى. ونحن جميعا نعلم أن من أسباب إدمان بعض الرجال على المخدرات أو المشروبات الكحولية هو الرغبة فى إطالة اللقاء الجنسى نظرا لزيادة نسبة البرودة كنتيجة للطهارة".
إنه كابوس أسود، أو بلغة ومصطلحات الطب النفسى إن الختان وسواس قهرى متسلط، وضلالات مسيطرة علينا توحى بأن البنت عار، وبأننا مطاردون من العالم المتحضر الذى يريد أن يطمس ثقافتنا والتى نتخيل أن من سماتها الأساسية الختان. أليست ثقافة الشعوب فى حاجة إلى غربلة و إعادة فرز من آن لآخر لطرد كل ما هو ضار ودخيل فى هذه الثقافة؟. أعتقد أنه قد آن الأوان لعمل هذه الغربلة وتنفيذ هذا الفرز حتى تصبح ألف باء ثقافتنا هى حقوق الإنسان، وأولها حقه فى جسد غير منتهك.
|