|
كاسترو
كان كاسترو ـ الابن المترف لاسرة شديدة الثراء ذات جذور اسبانية عائداً من منفاه في المكسيك ليلعن الثورة المسلحة ضد نظام فولجينو ياتيستا وزمرته الفاسدة ـ تلك الثورة التي كان اخطر ما فيها انها على مرمى حجر من قائدة المعسكر الغربي بعد الحرب الثانية ـ الولايات المتحدة الاميركية ولد فيدل اليجاندرو كاسترو روز في13/08/1926 في واحدة من ضياع والده الثري في لوسامانا كاس بالقرب من «مايارى» في مقاطعة «اوريتي»، والتحق في طفولته بالمدارس الكاثوليكية ثم انهى المدرسة العليا في بيلين ومدرسة الجزويت في هافانا ثم دخل الجامعة عام 1945 وتخرج منها عام 1950 بعد حصوله على ليسانس الحقوق.
مرت بـ كاسترو الذي اظهر ميلاً للسياسة اثناء دراسته الجامعية احداثا درامية حادة من النوع الذي تعرفه اميركا اللاتينية حيث حدث شجار واسع داخل مؤتمر طلابي كان يشارك فيه حمل اسم «مؤتمر الشعوب الاميركية» عام 1948 في يوجاتا في كولومبيا وتطور الشجار ليتحول الى اشتباك مسلح كانت نتيجته مقتل واصابة العديد من المشاركين، كما حدث بعد عودته ان اطلق «تشيابس» الزعيم السياسي للحزب الاصلاحي الذي كان كاسترو عضوا فيه النار على نفسه اثناء القائه خطاباً في ملابسات غامضة، وقد صحبه كاسترو الى المستشفى واصيب على اثرها بأزمة نفسية حادة.
ويبدو ان كل هذه الاحداث قد انتهت الى رسوخ القناعات لدى كاسترو بأن العمل المسلح هو المنطق السياسي الوحيد الوارد للتغيير في بلده وقارته.
في 26 يوليو 1953 قاد كاسترو هجوما فاشلاً على مونكادا، وصدر اثر هذا الهجوم الحكم عليه بالسجن 15 عاماً، وتم العفو عليه عام 1955 وارسل الى المنفى حيث اسس هناك حركة السادس والعشرين من يوليو والتي زحفت الى البلاد حتى انتهت بالاطاحة بحكم باتيتا في 111955.
لم يكن كاسترو شيوعياً حتى بعد ان اطاح بباتيتا لفترة وكذلك معظم رفاقه وقد جاء اعلان تبنيه للماركسية اللينية نوعاً من الرد على محاولة الانقلاب وموجة الاغتيالات التي رتبها حكمي ايزنهاور وكيندي ضده والاجراءات العنيفة التي تضمنت قطع العلاقات ووقف استيراد السكر والمحاولات المستمرة لخلق طابور خاص ضده في البلاد.
نجا كاسترو من اكبر مجموعة محاولات اغتيالات دبرت ضد زعيم في العالم، وقد نتج عنها اختفاء او اخفاء تفاصيل كل عائلته عن الاعلام حفاظاً على امنه، لكن المفاجأة الاكبر في حياة كاسترو ليست فقط في صعوده وبنائه تجربة معادية للولايات المتحدة من الفناء الخلفي الاميركي وانما في استمراره في هذه التجربة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية بسقوط السوفييت ـ اغلق الباب امام السوق الاساسي لصناعة السكر التي يعمل بها نصف مليون عامل و2 مليون فلاح، كما تدهورت صناعة السياحة واضطرت كوبا الى اغلاق 112 الف غرفة من مجموع 136 الف غرفة تملكها كوبا، وقد فاقم هذه الكوارث اعصار ميتشيل 2001 الذي كبد كوبا حوالي 8,1 مليار دولار وكانت كل هذه الحقائق تقول ان على كوبا القديمة ان تسلم الراية كما فعلت زميلاتها في مجموعة الكوميكون.
لكن كاسترو ـ الذي عود العالم على المفاجآت خرج هذه المرة بما اسماه ثورة الزراعة العضوية ـ حيث تخلى عن نظام الزراعة الكثيفة الذي احتضنه لمدة ثلاثين عاماً واحتضن نظام الزراعة العضوية الذي يقوم على تطوير نظام ايكولوجي يقوم على السيطرة على الآفات الزراعية بدلا من المبيدات والكيماويات وزراعة المدن او بالادق حدائق المدن بمحاصيل مثمرة وتطوير الالات الزراعية القديمة لوقف الاحتياج الى التكنولوجيا المتقدمة.
استقبلت الصحافة الاميركية بالسخرية في اول الامر قصة الزراعة العضوية، لكنها استبدلت هذه السخرية بالصمت التام حين كشفت الايام ان الموضوع جد لا هزل فيه وانه ليس على شاكلة مشاريع العالم الثالث الكرتونية، ومثلا كان هناك في عام 1999 حوالي 33 مشروعاً كبيراً بها 250 الف فلاح يزرعون ما مساحته 7,3 ملايين فدان كما اصبح لهذه الزراعة على المستوى الاكاديمي 200 مركز دراسة و173 مركز انتاج مواد سيطرة بيولوجية تنتج 93 الف طن في العام.
على أصعدة كثيرة مازال كاسترو وقد اصبحت كل الامواج ضده في العالم يصارع بطريقته واختياراته ومازال يصر على تنفيذ مضمون اجتماعي لسياساته ونقلا عن تقرير «انتربريس وورلدز نيوز اجنسي» فان تقرير التطور العالمي رصد ان كوبا نجحت في تخفيض وفيات الاطفال من 11 من الالف عام 1990 الى 7 من الالف عام 99 الى 2 من الالف عام 2001، ووصلت بالتعليم الى مدرس لكل 12 تلميذ ابتدائي مثلها مثل السويد والى الخدمة الطبية الى 3,5 أطباء لكل الف مواطن وهي نسبة من اعلى النسب في العالم.
هناك طبعاً من ينظرون الى كل هذا الجهد بأنه حرث في البحر وان المسألة هي مسألة وقت وما هي الا ايام او أشهر وتنتهي حكاية كوبا كاسترو. قد يكون هؤلاء على حق.. فبالطبع يزيد مرور الايام قساوة التجربة على المشاكس العنيد لكن يبدو ـ ان العجوز لن يتوقف على الانجاز على الأقل في حدود ما يضمن رحيله من الدنيا وهو ممسكا بالراية.
|