يجلس وحيداً ..
يمشي وحيداً ..
ينام وحيداً ..
دمعة تترقرق في عينيه ، يكفكفها بين حين وآخر ...
تابعته بنظري ، تساءلت : هل هو فعلاً وحيد ؟..
راقبته وهو يتنقل بين المشاعر ، ليس له أم يرعاها ، ولا زوجة يهتم بشأنها ...
تيقنت من وحدته ..
مضى اليوم الأول من أيام التشريق ..
تخلى عن وحدته قليلاً ..
شارك الحجيج مجالس الذكر ، والذكريات ...
وفي لحظة صفاء ، أنفردت به جانباً ..
نظرت إليه نظرة تجاوزت حدود المكان والزمان ..
بادلني النظرة ، أرخى برأسه إلى الأرض ..
- تبدو لغزاً محيراً بالنسبة لي ..
- ولماذا ؟
- شاب مثلك ، لاتبدو عليه ملامح الاستقامة ، يحج وحده ، لا ترافق أباً ولا أماً ، ولست حديث عهدٍ بزواج فتأتي بزوجتك ، ولا رفقاء لك ..
- وربما قلت في نفسك ، ومظاهر الانحراف تبدو عليك ..
لم استطع أن أخفي مشاعرك عليه وهو يقول هذه الكلمات التي كتمتها منذ لحظات ..
- أسمع قصتي ، وستعرف سر اللغز ..
أنصت له وقد زادني هدوئه شوقاً للسماع ..
- نشأت في أسرة متوسطة الحال ، أبي رجلٌ صالح ، وأمي أيضاً ، كبرت وكبرت آمالهما في أن أصبح طبيباً أو مهندساً أو طياراً ، ولكنني ***ت لهما الأحزان ، بعد أن تعرفت على رفقاء سوء ، قادوني للسهر والهو والعبث ، ثم قادوني للتدخين ، و طبعاً دخلت معهم عالم المخدرات ...
- كان الأمر سراً ، ولكن مدمن المخدرات لا يحتفظ بسره ، كل شيء يفضحه ، ضعف البدن ، الهم والغم ، الغضب السريع ، النوم الكثير ، كثرة الخروج والسهر ، كل شيء ، يفض سره ..
- نصائح وتوجيهات أبي ضاعت بين طيش الشباب ، وعناد المراهق ، وسكرة الشهوة والمخدرات ..
- هربت من البيت ، نصائح أبي ، ترهقني ، تجعلني أغضب ، أحب أبي لا أريد أن أواجهه ، أمسيت لا أعود إلا مع طلوع الفجر ..
- قد يكون نائم ، أو يتظاهر بالنوم ، لم أكن أحاول أن أعرف ماذا يحدث ، المهم أن أتسلل إلى سريري لكي أنام ..
- إلى أن جاءت تلك الليلة ، عدت إلى البيت ، فتحت الباب ، تسللت كعادتي ، خطوت نحو الغرفة ، شعرت بحاجة إلى الماء ، توجهت نحو المطبخ ، تسلل إلى سمعي صوت ، تتبعته بهدوء ، ظهر لي ضوء خافت ، سرت نحوه ، وهناك على الباب ، وقفت أنظر ماذا يحدث ، كدت أن أسقط على الأرض ، ورعشة سرت في جسدي ، أصابتني بقشعريرة ، شعرت بهزةٍ زلزلت كياني ...
- إنه صوت أبي يدعو لي في ظلام الليل ..
- إنه أبي يبكي وينتحب ..
- إنه أبي الذي ما رأيته يبكي في يوم من الأيام ، يبكي وأنا السبب ..
- أسرعت نحو غرفتي ، وأخذت أبكي ، أنا يا أبي أنا من أجرى دمعك ، أنا من أبكى قلبك ، أنا دمعتك وكنت تأمل أن أكون بسمتك ، أنا بكاؤك وكنت تأمل أن أكون سعادتك ، أنا حزنك وشقاءك ، أنا بؤسك وعناءك ، أنا يا أبي ، يا رب ، أرحمني يا رب ، شقاء حياتي و***ت لمن أحبوني الشقاء ..
- لم يشعر أبي بما حدث ..
- وفي اليوم الثاني كتبت اسمي في حملة الحج ، ولهذا تجدني وحيداً ..
- دمعة والدي أحرقتني ، أحرقتني ، أحرقتن
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )