هو الحجاج بن يوسف الثقفي والي بني امية على الحجاز ثم العراق خرب الكعبة واعاد بناءها، حكم العراق واستبد باهله وظل مطاعا ..
روي عنه كلام ومواعظ لم يقلها الفلاسفة ولا الائمة ومنها انه قال:" فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الاخرة واقهروا طول الامل بقصر الاجل".
وجه الجيوش للفتح ولم يكن غرضه الحصول على مال او غنائم او جزية، سمع التفسير عن ابن عباس وروى الحديث عن الائمة، انفق سبعة ملايين درهم من اجل انقاذ امرأة سبيت في الهند وورد الى سمعه انها صاحت "واحجاجاه".
ومع كل ذلك فقد ارتبط اسمه بالبطش والاستبداد ولما لا ؟ في عصر كانت فيه فتن الدولة اكثر من ايام استقرارها وكان الفرس والبربر والديالمة بقضون مضجع الخلافة بالتمرد.
والحكم يحتاج الى الدماء ... والتاريخ لا ينصف فمن هو بطل الامس هو متهم اليوم ...
ورث العالم الاسلامي في تراثه تصويرا خطيرا للحجاج، حيث وضعته كتب التاريخ في اطار الجبابرة واطلقت عليه من نعوت القسوة والظلم والجبروت ما اهله لان يكون اول من طاعت له ارض العراق في عربها وعجمها.
وقضية الحجاج في التاريخ قضية كل عملاق ظهر في الاسلام وكان علما يشار اليه بالبنان اتقن السياسة وفن الحرب وعرف كيف يحكم ام المدن بغداد.
وللانصاف فان الحجاج - بما احيط به في التاريخ - انما هو ضحية عواطف التهبت بقتل عبدالله بن الزبير فاطلقت لنفسها العنان في وصف قاتله دون ان تحتكم الى العدل في هذه القضية ودون ان تسمع من الاطراف كلها حتى تكون على بصيرة في احكامها ومن ثم يكون الحكم عادلا.
هنا نذكر ما صنعته العاطفة وما برع فيه الخيال، من محاولة تشويه صفحة الحجاج امام التاريخ، وتلطخ هذه الصفحات كلها بالدم حتى يظهره لكل قارئ في كل زمان بانه سفاح مغرم بسفك الدماء.
نسجوا حول مولده وبداية وجوده، خرافات واساطير يضعونها ركائز للاستدلال على انه من يوم ولد وهو مغرم برؤية الدم والقتل، ويسعده البطش بفريسته، ويهدئ ثائرته لون الدم يخضب به يديه.
قالوا : انه ولد مشوها لا دبر له فنقب عن دبره، وابى ان يقبل ثدي امه او غيرها فاعياها امره، فيقال : ان الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة - طبيب العرب - فقال ما خبركم ؟ قالوا : بني ولد ليوسف من الفارعة - اي امه - وقد ابى ان يقبل ثدي امه فقال : اذبحوا جديا اسود واولغوه دمه، فاذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك، فاذا كان اليوم الثالث فاذبحوا له تيسا اسود واولغوه دمه، ثم اذبحوا له اسود سالخا واولغوه دمه، وادهنوا به وجهه، فانه يقبل الثدي في اليوم الرابع - ففعلوا به ذلك، فكان لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في اول امره. ورفضه يوم مولده الرضاعة من ثدي امه.
هذه الرواية ذكرها المسعودي وابن كثير والعمادي والعيني دون ان يضعها واحد منهم في ميزان النقد، او يقيسها بالمعيار العلمي، او يفحصها من ناحية تركيبها الروائي.
فمن ناحية النقد التاريخي والعلمي، لا نجد علاقة ابدا بين هذا الطفل في ايامه الاولى وما يرتكبه من افعال، او يرسم لنفسه من سلوك في مستقبل ايامه، مهما كانت براعة الكهنة وشعوذة السحرة.
ثم لماذا الشيطان يتمثل في زي طبيب ليسأ
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )