القلب والعين
لما كانت العين رائدا والقلب باعثا وطالبا ، وهذه لها لذة الرؤية وهذا له لذة الظفر ، كانا في الهوى شريكي عنان . ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه .
فقال القلب للعين : أنت التي سقتني إلى موارد الهلكات ، وأوقعتني في الحسرات بمتابعتك اللحظات ، ونزهت طرفك في تلك الرياض وطلبت الشفاء من الحدق المراض ، وخالفت قول أحكم الحاكمين : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس ، فمن تركه خوف الله عز وجل أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه ) رواه الإمام أحمد .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( نظر الرجل في محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم ، فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره
فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم ؟ أو ما علمت أن ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان ؟ فما عطب أكثر من عطب إلا بهما ، وما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما ، فلله كم من مورد هلكة أورداه ، ومصدر رديء عنه أصدراه فمن أحب أن يحيا سعيدا أو يعش حميدا فليغض من عنان طرفه ولسانه ليسلم من الضرر ، فإنه كامن في فضول الكلام وفضول النظر وقد صرح الصادق المصدوق بأن العينين تزنيان وهما أصل زنى الفرج ، فإنهما له رائدان ، وإليه داعيان ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمر السائل أن يصرف بصره . فأرشده إلى ما ينفعه ويدفع عنه ضرره . أو ما سمعت قول العقلاء : من سرح ناظره ، أتعب خاطره ، ومن كثرت لحظاته ، دامت حسراته ، وضاعت عليه أوقاته ، وفاضت عبراته .
وقال الناظم :
تمتعتما يا مقلتي بنظرة
وأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه
من الظلم سعي اثنين في قتل واحد
قالت العين : ظلمتني أولا وآخرا ، وبؤت بإثمي باطنا وظاهرا، وما أنا إلا رسولك الداعي إليك ورائدك الدال عليك ، فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع .
أركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي علي حجابي ، لسمعت وأطعت ولما رعيت في الحمى ورتعت ، أرسلتني في صيد قد نصبت لك حبائله وشراكه ، واستدارت حولك فخاخه وشباكه . فغدوت أسيرا ، بعد أن كنت أميرا ، وأصبحت مملوكا بعد أن كنت ملكا .
هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام عليه الصلاة والسلام حيث يقول : ( إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهو القلب )
وقال أبو هريرة رضي الله عنه : القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده .
ولو أنعمت النظر لعلمت أنّ فساد رعيتك بفسادك وصلاحها ورشدها برشادك ، ولكنك هلكت و أهلكت رعيتك ، وحملت على العين الضعيفة خطيئتك ، وأصل بليتك أنه خلا منك حب الله وحب ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته و أقبلت على غيره وأعرضت عنه ، وتعوضت بحب من سواه والرغبة فيه عنه .
هذا وقد سمعت ما قص عليك من إنكاره سبحانه على بني إسرائيل استبدالهم طعاما بطعام أدنى منه ، فذمهم على ذلك ونعاه عليهم ، وقال : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } فكيف بمن استبدل بمحبة خالقه وفاطره ووليه ومالك أمره ، الذي لا صلاح له ولا فلاح ، ولا نعيم ولا سرور ، وفرحة ونجاة إلا بأن يوحده في الحب ويكون
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )