|
تحول السياسة الأمريكية تجاه السنة
شملت المراجعات الأمريكية في العراق الموقف من السنة، إذ كان واضحًا منذ البداية وجود موقف أمريكي متحيز ضد السنة يميل إلى تغليب كفة الشيعة بشكل كبير في صوغ المرحلة السياسية القادمة في العراق، فيما بدا السنة وكأنهم الخاسر الأكبر لانهيار النظام العراقي السابق، نظرًا لعملية التداخل القسرية التي تمت بينهم وبين ذلك النظام.
ولقد بدأت الرسائل والإشارات الأمريكية بخصوص السياسة الطائفية قبل احتلال العراق، إذ اعتبرت مراكز الدراسات والمؤسسات الأمريكية الشيعة بمثابة الأغلبية المضطهدة في العراق، التي حرمت من حقوقها السياسية والاقتصادية والدينية.
ثم تطور الأمر بعد الاحتلال - في ظل عدم دخول الشيعة إلى مجال المقاومة المسلحة، واتخاذ أغلب القوى السياسية الشيعية مواقف سلمية – إلى الحديث عن دولة عراقية ديمقراطية ذات صبغة شيعية علمانية، وبنيت كثير من التصورات على فرضيات متعددة كوجود تنافس ديني شيعي بين إيران والعراق، وبين النجف وقم، ووجود نزعة علمانية عند كبار علماء الشيعة العراقيين كآية الله السيستاني، يمكن أن تجعل منهم حلفاء محتملين لتشكيل نموذج عراقي جديد علماني يحقق الأهداف والمصالح الأمريكية(11).
التصورات السابقة انعكست على تعامل الإدارة الأمريكية مع السُّنة العراقيين، إذ تمت عملية تجاهل لهم، وتطاولت القوات الأمريكية على العشائر العراقية، وتم تسريح الجيش العراقي وعماده من أبناء السنة، وأعلنت الإدارة الأمريكية عن الاستغناء عن كوادر حزب البعث، وأغلبهم من الطبقة الوسطى التكنوقراطية من السنة، وظهرت كثير من الرؤى المغرقة في اتهام السنة وتحميلهم المسؤولية الكاملة عن إرث المرحلة السابقة وعن عمليات المقاومة العراقية، وحاول عدد من الخبراء الأمريكان الربط بين حزب البعث السابق وبين المقاومة السنية، وظهرت عدة تفسيرات في هذا السياق من قبيل ما سماه جيمس فيبليبس " المافيا التكريتية " التي تقود المقاومة (12) .
إلاّ أن التصورات والأفكار الأمريكية السابقة حول الأدوار السياسية لكل من السنة والشيعة في المرحلة القادمة تعرضت لهزات عنيفة وقوية في الفترة الأخيرة، وشكلت المقاومة العراقية المسلحة الرد الأقوى والأعمق على تلك التصورات، إذ تبين أن هذه المقاومة ليست وليدة متطوعين عرب من الخارج وليست كذلك صنيعة حزب البعث العراقي - كما كانت تدعي الإدارة الأمريكية وعدة مراكز دراسات - وإنما هي تعبير عن الروح الوطنية والإسلامية التي باتت تصبغ المجتمع السني بأسره، وكان الاحتلال أحد محفزاتها الاستراتيجية.
وساهمت سياسات الإدارة الأمريكية المتحيزة ضد السنة على بناء العمق الاجتماعي الاستراتيجي للمقاومة المسلحة، والتي وجدت روافدها من المجتمع السني، ومن الاتجاه الإسلامي الوطني، ومن الدعم التطوعي الخارجي، ومن الجيش العراقي المسرح، ومن أبناء العشائر، وبالتالي انخرط المجتمع السني بأسره في المقاومة المسلحة، وشكل حالة وطنية وإسلامية متقدمة – بامتياز -، وقد وصلت تقديرات المخابرات الأمريكية لأعداد الفاعلين في النشاط المقاوم ضد الاحتلال من السنة بما يقارب خمسين ألف فرد(13).
لم تصمد كل الفرضيات الأمريكية السابقة أمام قوة المقاومة وعمقها، وبدأ عدد كبير من الخبراء الأمريكان يدعو إلى إعادة النظر في السياسات الأمريكية تجاه السنة، ومراجعة الأخطاء الفادحة التي ارتكبت، ومن ذلك تسريح الجيش العراقي واستثناء أعضاء البعث من التعيينات الجديدة، وتجاهل شيوخ العشائر. وبدأ عدد من الكتاب يتحدث عن عدم جدوى الحل العسكري أو الأمني مع المقاومة المسلحة، وعن ضرورة وجود رؤية سياسية جديدة، في هذا السياق كتب فريد زكريا بعنوان ( المهمة الأولى : حلوا المشكلة السنية) " المشكلة السياسية التي تواجهها الولايات المتحدة هي مشكلة بسيطة : هناك عنصر مهم في المجتمع العراقي يخشى أنه لن يتاح له الموقع المناسب في العراق الجديد. هؤلاء هم الناس الذين لا يساعدون الجيش في تصيد المتمردين. وما يفاقم هذه المشكلة هو أن هؤلاء الناس وهم السنيون، هم الذين يمثلون النخبة الحاكمة في العراق منذ 500 سنة "(14).
ثم جاءت ثورة مقتدى الصدر لتؤكد على عقم السياسة الطائفية الأمريكية في العراق، من خلال وجود انقسامات وخلافات كبيرة داخل الوسط الشيعي، وبدأت معالم ثورة شعبية فوق نزعات الطائفية تسلتهم مشروعيتها من ثورة عام 1920، وبالتالي أخذت الإدارة الأمريكية تتجه إلى التعامل مع إدارة الصراع بدلاً من تصوراتها السابقة في بناء نظام ديمقراطي عراقي ذي صبغة شيعية.
وبناء على ذلك تنامي الاتجاه الذي يدعو إلى العودة عن قرار استثناء أعضاء حزب البعث السابقين – غير المتورطين في جرائم سابقة- وتم الإعلان عن صرف رواتب الجيش، كما تم الاستعانة بقيادات من الجيش العراقي السابق – كما هو الحال في الفلوجة -، وجرت عملية مراجعة عميقة لتصورات الولايات المتحدة تجاه السنة.
في هذا السياق دعا عدد من الخبراء والمفكرين الأمريكان إلى ضرورة إعادة الاعتبار لزعماء العشائر السنية في النظام الجديد، وإنفاق الأموال عليهم، وبناء مشاريع اقتصادية في المجتمع السني لتحسين الظروف الاقتصادية.
كما برزت رؤى تدعو إلى الاستفادة من الطبقة السنية الوسطى، والتي كانت تشكل عماد النظام السابق من ضباط صغار ومهنيين وتكنوقراط وخبراء، وكلهم يشكلون كفاءات يمكن أن تستفيد منها المشروعات الأمريكية في عملية إعادة الإعمار(15).
إلا أنه من الواضح أن الرؤية السابقة والمراجعات التي تمت كانت تحت ضغط الفشل في هزيمة المقاومة المسلحة، ولا تخرج عن سياق عزل المقاومة عن عمقها الاجتماعي السني واختراق هذا المجتمع ، وإسقاط الشروط الموضوعية التي تحمل المقاومة السنية.
--------------------------------------------------------------------------------
1- انظر التقرير على موقع مركز كارنيغي على شبكة الانترنت عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
2- انظر : Joseph Biden, Getting it Right in Iraq على موقع مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية / واشنطن عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
3- انظر تحقيق سيمور هيرش في مجلة نيويوركر الأمريكية ( 15/5/2004 ).
4- انظر : فريد زكريا، فرصتنا الحقيقية الأخيرة، مجلة نيوزويك ( النسخة العربية ) 20/أبريل /2004، ص31- 34.
5- انظر التقرير على موقع مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية : عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
مرجع سابق.
6- Colonel Daniel Smith, The Psychological of War, Iraq and Vietnam, عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
7- نظر فريد زكريا، المهمة الأولى حلوا المشكلة السنية، مجلة نيوزويك، 25 / نوفمبر /2004.
8- انظر William Scheider, Anti- Americanism, on the Rise ويتضمن التقرير نشر نتائج 9- استفتاء حول الرأي العام العراقي، عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط enterprise institute.org
10- Daniel Pipes, Is an Iraqi Strong man Emerging? , New York Sun , May 4 , 2004
11- صدرت مجلة نيوزويك أحد أعدادها بموضوع رئيس عنوانه " نهوض الشيعة " تحمل عدة تقارير داخل العدد هذه الرؤية لدور الشيعة السياسي : مجلة نيوزويك ( النسخة العربية ) 2 مارس 2004.
12- انظر : James Philips, Saddam Captured : Now Follow the Money, عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
13- انظر : Stephen zunes, Iraq One Year Later, عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
14 مرجع سابق
15-انظر : نفس المرجع، و كذلك : الطبقة الوسطى مفتاح وحدة العراقيين " رؤية أمريكية " ترجمة شيرين حامد فهمي، عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط
|