العلمانيون واحتراف البكاء على الحرية
شادي الأيوبي
5/7/1425
من المضحك المبكي في هذه الأيام ما احترفه بعض العلمانيين من البكاء على أطلال الحرية المفقودة، والتضجر من بعض القيود التي يدعون وجودها على الجهر بآرائهم، سواء أكانت تلك قيوداً اجتماعية، أم كانت قيوداً من المشرفين على وسائل الإعلام، ولا يتورع البعض منهم عن الادعاء بوجود "اضطهاد فكري ونفسي" من فئات المجتمع المختلفة.
وتتنوع شكاوى هؤلاء من التضييق على الظهور، إلى إعطاء الفرص الأوفر لمخالفيهم - من الإسلاميين في معظم الأحيان - للإدلاء بآرائهم في مختلف القضايا، ولا يتورع بعض المغالين من مغموريهم بادعاء وجود تهديدات وأخطار تمس حياته، وهذه مسألة بالغة الخطورة؛ لأنها تمس قضية الأمن الوطني الذي يجب أن يشترك جميع أبناء الوطن في الحفاظ عليه بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية أو الدينية.
والحق أن الأجواء قد اختلفت كثيراً بالنسبة لهؤلاء، لكن هذا الاختلاف كان نتيجة طبيعية لزيادة الوعي لدى فئات المجتمع المختلفة، وليس بسبب رغبة الإعلاميين في اضطهاد العلمانيين كما يحاول بعض هؤلاء أن يوحوا لنا، حباً منهم في لعب دور الضحية المستحقة للشفقة.
فهؤلاء اعتادوا خلال سنوات الطويلة التي امتدت من الخمسينات والستينات وحتى منتصف الثمانينات تقريباً - مدة المد اليساري عالمياً - اعتادوا أن يكونوا فرسان الميدان الإعلامي دون منافس أو معترض، وكانت جميع الميادين الإعلامية مفتوحة لهم على مصراعيها، من مكتوبة، ومسموعة، ومقروءة، وكان من النادر سماع أصوات قوية معارضة لهم؛ لأن التيار السائد في ذلك الوقت كان مؤيداً بشدة لأفكارهم ومبادئهم، بحيث كانت أي أصوات معارضة تخنق في مهدها، أو ترسل إلى كواليس النسيان والإهمال، مما جعلهم يصولون ويجولون دون معارض أو محاسب لسنوات طويلة.
غير أنه في المدة الأخيرة وبسبب أن الحالة الإسلامية بدأت تؤتي أكلها، وبسبب من إلحاح الجماهير التي عادت إلى مبادئ دينها ورفض ما يخالفه، فقد صارت هناك ضرورة لمراعاة الذوق العام المتجه نحو التدين الواعي، والرغبة بالاستزادة من المعلومات الدينية، والثقافة الجادة، وهكذا اتجه العديد من المنتجين إلى برامج وأفلام ومسلسلات تراعي رغبة الجمهور.
وهنا يحق لمعترض أن يقول: ألا تنظرون إلى ما يجري اليوم من برامج هابطة يجري وراءها الشباب بالآلاف، ولا ترون المسلسلات الخليعة التي تملأ الساحة؟
نقول: نعم هذا صحيح وموجود، لكنه لا يقارن بما كانت عليه الأحوال في السنوات الخالية، حيث كانت الشاشات المختلفة لا تعرض لذكر الدين إلا في الأعياد أو في شهر رمضان المبارك، وذلك ببعض المسلسلات الموجهة أصلاً لتضييع معنى الصيام، عبر ما تعرضه من فنون ورقصات وغناء مائع.
ونحن إذا عقدنا اليوم مقارنة بين تلك السنوات وبين السنوات التي نعيشها اليوم نجد فرقاً كبيراً، فالجمهور المتدين الذي يقاطع البرامج التافهة كان غير موجود تقريباً، أما أنه توجد اليوم جماهير تائهة تجري وراء كل هابط فهؤلاء كانوا دائماً موجودين، وسيظلون موجودين، وذلك أن الغث يبقى دائماً ليتميز الصحيح.
فقبل عشرين سنة مثلاً كنت ترى شيوخاً معممين يتكلمون في أمور الدين المبدئية، لكنك لن تجد من يعطي تحليلاً سياسياً أو اقتصادياً من وجهة نظر دينية، كما لن تجد من يتكلم عن حيوية الدين الإسلامي، والدعوة إلى النهضة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال مبادئ مستقاة من الدين ومبادئه.
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )