|
ولما قاطعه بعض الصحابة وأرادوا أن تقسم الأرض رد عليهم قائلا: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت ؟ ما هذا برأي..
فيتساءل عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الأرض إلا مما أفاء الله عليهم. ..
ويطالب بلال وعمرو بن العاص والزبير بن العوام بالقسمة.
ويطالب علي بن أبي طالب وعثمان ومعاذ بن جبل وطلحة بن عبيد الله وأبوعبيدة وعبد الله بن عمر بألا تقسم، وأن تبقى للمسلمين جميعا، ويجمع الأنصار كلهم على ألا تقسم، ويحسم عمر بن الخطاب الخلاف وقد هداه الله إلى الدليل من القرآن ـ كما ورد في عدة مصادر بعدة صيغ ـ فيقول : قد بان لي الأمر وقد وجدت حجة من كتاب الله :
قال تعالى : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم ) الحشر 7ثم قال (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )الحشر 8 ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال : (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة) الحشر 9 ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا) الحشر 10 فكانت هذه لمن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ؛ فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعا ، فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم ، استوعبت هذه الآيات الناس كلهم فلم يبق أحد من المسلمين إلا وله فيها حق،قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء، لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه).
قال ابن عساكر في تاريخ دمشق: ( وتركها وقفا تجري غلتها على المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين )
وفي نهاية جلسة الشورى التي عقدها عمر وافق جميع المسلمين الحاضرين على ألا تقسم الأرض، معتمدين في حكمهم على آيات الفيء من سورة الحشر التي استدل بها عمر.
وأما حكم الخلفاء الراشدين فهو ما فعله عمر وأقره عثمان بن عفان في زمن حكمه، وطبقه علي في خلافته وسار عليه كل الملتزمين بالحق والعدل من بعدهم بما في ذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
وهو عين ما فهمه المفسرون لكتاب الله والفقهاء من بعد ذلك:
يقول الطبرسي في مجمع البيان:( يعني" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ.. " من بعد المهاجرين والأنصار، وهم جميع التابعين لهم إلى يوم القيامة ).
يقول البيضاوي في أنوار التنـزيل ص : 464 : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا ) الحشر 10 هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل إن الآية استوعبت جميع المؤمنين ).
ويقول صديق حسن خان في فتح البيان: ( والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوة ومن تبعهم بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة )
ويقول القاسمي "محاسن التأويل": ( روى ابن جرير أن عمر قرأ : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) التوبة60 حتى بلغ (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ثم قال : هذه لهؤلاء ثم قرأ : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) الأنفال 41، ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) الحشر 7 إلى قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم ) الحشر 10، ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه).
هذه هي الآية الكريمة التي أفحم بها عمر معارضيه، فامتثلوا وخضعوا لحكم الله دون أن يترضاهم عمر كما زعم بعض الفقهاء.
وهي محكمة غير منسوخة، ومن ذهب إلى أنها منسوخة بآية الأنفال فهو مخطئ، لأن الأنفال نزلت في غزوة بدر، وهذه نزلت بعد بدر بستة شهور عقب فتح أرض بني النضير.
قال سليمان العجيلي في كتابه الفتوحات الإلهية: ( قال البقاعي: ومن زعم أن شيئا من هذه السورة (سورة الحشر) نسخ بشيء من سورة الأنفال فقد أخطأ لأن الأنفال نزلت في بدر، وهي قبل هذه بمدة ).
وهكذا نرى أن أرض العنوة لم تترك قسمتها اقتناعا بتبريرات عمر، ولا لأنه ترضى معارضيه وأقنعهم باجتهاده، وإنما لأنه احتج عليهم بالآية من القرآن الكريم، وما كانوا ليخالفوا آياته وهم يعلمون.
يقول الجصاص : ( وافق عمر كل الصحابة ، واتفقوا جميعهم، ولم ينازعوه عندما احتج عليهم بالآية ، وسلم له الجميع برأيه ، ثم لم يتعقب فعله هذا أحد ممن جاء بعده من الأئمة الصالحين بالفسخ..) .
يقول ابن القيم في نيل الأوطار: (جمهور الصحابة على أن أرض العنوة لا تقسم وتكون وقفا على مصالح المسلمين، وهو الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين ) .
يقول العسقلاني ـ فتح الباري في شرح البخاري ج6/123 : (فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه ، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه للمسلمين، لأن أهل العنوة غلبوا على أموالهم ، بخلاف أهل الصلح في ذلك).
ونستعرض فيما يلي آراء المذاهب الإسلامية في الموضوع:
المذهب المالكي
يعتبر مالك وأصحابه أشد الفقهاء صرامة وحزما في موضوع أرض العنوة كما ذكر أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية: ( يقول مالك: أرض العنوة تصير وقفا على المسلمين حين الاستيلاء عليها، ولا تجوز قسمتها بين الغانمين ) وكما ذكر ابن حزم في المحلى: ( ويقول مالك: توقف الأرض ولا تقسم ولا تكون ملكا لأحد).
ويقول عبد الرحمن المجاصي في كتاب التيسير والتسهيل في ذكر ما أغفله خليل: (إن من استغل أرض العنوة دون خراج ، ملكا أو غلة فقد اغتصب حق المسلمين وأكل الحرام) .
وفي الموطأ ـ كتاب الجهاد ـ قال مالك: (وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة، فمن أسلم منهم فإن أرضه وماله للمسلمين، لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين).
وجاء في كتاب " كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني :
(وأما الأرض فلا تخمس و لا تقسم على المشهور بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين ) .
ويقول العدوي في حاشيته على نفس الكتاب : (أي أنها بمجرد الاستيلاء عليها تصير وقفا ولا تحتاج لحكم حاكم) .
المذهب الحنفي
أما أبو حنيفة فيرى أن الإمام مخير بين الوقف والقسمة، وإلى ذلك ذهب كثير من أتباعه، يقول علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع" ـ 7/119ـ (أما الأراضي المغنومة فللإمام فيها خياران: إن شاء خمسها ويقسم الباقي بين الغانمين لما بينا، وإن شاء تركها في يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة). ثم يعترف بأن ما فعله عمر أجمع عليه المسلمون فيقول: (ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، فإن سيدنا عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج بمحضر الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فكان ذلك إجماعا منهم ).
وجاء في حاشية المختار لابن عابدين 4/138 (أن تخيير الإمام بين ما ذكر مخالف لإجماع الصحابة على ما فعله عمر) .
وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في كتابه الخراج ص 27: (والذي رأى عمر من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها، عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقا من الله كان له فيما صنع، وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين، وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين، عموم النفع لجماعتهم؛ لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور، ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد).
كما نجد اثنين آخرين من أهم فقهاء الأحناف، هما الجصاص والطحاوي يريان رأي عمر في القسمة ويخالفان ما ذهب إليه أبو حنيفة إمام مذهبهما.
ونحن نرى أن مبدأ تخيير الإمام بين الوقف والقسمة مردود من ثلاثة أوجه:
أولها أن القضية ليست موضع اجتهاد ، لأن فيها نصا من القرآن الكريم، ولا اجتهاد مع النص.
وثانيها أن أئمة المسلمين الذين لا شبهة على شرعيتهم وهم الخلفاء الراشدون، قد قرروا في الأمر طبقا لأحكام القرآن فلم يقسموا الأرض وتركوها وقفا على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، وأجمع المسلمون على حكمهم ولم يتعقبه أحد بالنقض
وثالثها أن أمر الأرض لو ترك افتراضا للاجتهاد فلن يكون أمرا للإمام ينوب فيه عن الأمة، وإنما سيكون أمرا للأمة تبث فيه بما يوافق مصلحتها ولا يعارض شريعتها.
المذهب الحنبلي
وقد اختلفت الروايات عن إمام هذا المذهب، فتارة ينقلون عنه أنه يرى رأي المالكية وتارة ينقلون عنه أنه يرى رأي الأحناف، وتبعا لتعدد الروايات فقد اختلف أصحابه في الموضوع، والصواب أن يعودوا إلى كتاب الله وأحكام سورة الحشر.
|