{ ونبلوكم بالشر والخير فتنة }
أ.د. عبدالكريم بكار
خلق الله جل وعلا الدنيا لتكون داراً للابتلاء والاختبتار ، ومن ثم فإنه جعل الإنسان يتقلب فيها بين المنشط والمكره ، والرخاء والشدة ، والخير والشر ، ليرى سبحانه كيف يصنع هؤلاء العباد ، وكيف يطلبون مراضيه في جميع الأحوال ، { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [الأنبياء : من الآية35] .
ولعلنا نقبس من نور هذه الآية المباركة في الوقفات التالية :
1- الناظر في النُظُم العامة التي تحكم مسيرة الحياة يجد أن جوهر (الابتلاء) يقوم على (التشتيت بين المتقابلات) حيث يؤدي عدم القيام بحق الحالة الراهنة أو ما سماه القدماء بأدب الوقت إلى الإخفاق في الامتحان الذي يعني تحول الخير إلى شر أو ارتفاع وتيرة الشر والتدهور ، ولعلنا نميط اللثام عن هذا المعنى من خلال نموذجين اثنين :
(أ) يسعى كل مجتمع إلى إيجاد أكبر قدر ممكن من التماثل بين أفراده بنية المحافظة على قيمه وخصوصياته وزخمه الحركي ، وهذا التماثل من الخير ولا ريب لأن البديل عنه هو الشقاق والاحتراب الداخلي لكن التجربة الاجتماعية أثبتت أن الحرص على التماثل التام بين أفراد المجتمع يؤدي إلى انقسامه على نفسه ، حيث يتشوف أعضاؤه ولاسيما الصفوة منهم إلى النفاذ إلى واقع المجتمع على نحوٍ منفرد ومنعهم من ذلك يؤدي إلى التوتر الاجتماعي ، ويجعل (التماهي) الظاهر عبارة عن شكل فارغ من المضمون ، فينتشر النفاق الاجتماعي والازدواجية في السلوك ، ومن ثم فإن المطلوب هو قدر من التنوع الاجتماعي واحترام الخصوصيات في إطار النظم الكبرى للمجتمع وفي إطار أهدافه ومبادئه العامة .
(ب) حث الإسلام على صلة الرحم وأداء حقوق القرابة ، ورتب في ذلك أحكاماً وآداباً عديدة ، والالتزام بها ورعايتها من الخير العظيم ، لكن ذلك لابد أن يوقف عند حدود رعاية مسائل أخرى لا تقل أهمية وحيوية من مثل احترام النظم التي تتولى توزيع وترتيب الحقوق والواجبات في المجتمع ، حيث لا يصح لعامل القرابة أن يمس العدالة الاجتماعية أو يضغط عليها ، الملحوظ أن ما تسمى بـ (سيادة القانون) لم تأخذ أبعادها بشكل جيد في العصور الحديثة إلا حيث اضمحلت العلاقات الأسرية والقرابية كما هو الشأن في المجتمعات الغربية أما في المجتمعات الإسلامية حيث التواصل الأسري والعائلي أمتن وأفضل ، فإن من الملحوظ أنه يتم الكثير من التجاوز والتفلت من النظم العامة في سبيل إعطاء الأقرباء ما ليس لهم من مكتسبات ظناً أن في ذلك صلة للرحم ! لكن هذا يعني عدم النجاح في الابتلاء والتشتت بين المتقابلات ، إن إكرام الأقرباء لا ينبغي أن يتم على حساب الآخرين ولا بخرق النظام العام ، وإلا كان شراً وبلاءً .
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن من أشد ما عاناه التمدن الإسلامي في تاريخنا الطويل كان نقل العرب من مرحلة (القبيلة) إلى مرحلة (الدولة) حيث يتم الفصل شبه الكامل بين العلاقات والحقوق الشخصية وغير الشخصية ، ونجد إلى جانب هذا في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلوك أصحابه الكرام موازنة دقيقة في هذا الشأن ، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي قال : يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت فإني لا أغني عنك من الله شيئاً [1] وهو الذي قال : .... لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها [2] .
2- النجاح في الابتلاء يقتضي نوعاً من اليقظة لجميع قوانا العقلية والروحية، حتى لا نقع في أسر اللحظة الحاضرة ونستسلم لخيرها وشرها رضائها وكربها ، وهذا يعني نوعاً من الاستعلاء على الواقع وعدم الركون إليه ، و
لا يمكنكم مشاهده باقي المشاركة لأنك زائر ...
فإذا كنت مشترك مسبقا معنا فقم بتسجيل دخول بعضويتك
للمتابعة و
إذا لم تكن فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجانا ً (
من هنا )